وجدنا أنفسنا عراة مصدومين! علم الأحياء قد يتسبب في انهيار حضارتنا قريباً!

لطالما كنا نعيش في فقاعة؛ حالة من الإنكار والشعور بالراحة الزائفة. في الدول الغنية، بدأنا نعتقد أننا تخطينا العالم المادي؛ ظننا أنَّ الثروة التي كنزناها -غالباً على حساب الآخرين- قد حمتنا من الواقع. نعيشُ خلف الشاشات، ونتنقَّل بين الكبسولات -منازلنا وسياراتنا ومكاتبنا ومراكز التسوق- أقنعنا أنفسنا بأنَّه ما من حالات طوارئ، وبأننا وصلنا إلى النقطة […]

وجدنا أنفسنا عراة مصدومين! علم الأحياء قد يتسبب في انهيار حضارتنا قريباً!
لطالما كنا نعيش في فقاعة؛ حالة من الإنكار والشعور بالراحة الزائفة. في الدول الغنية، بدأنا نعتقد أننا تخطينا العالم المادي؛ ظننا أنَّ الثروة التي كنزناها -غالباً على حساب الآخرين- قد حمتنا من الواقع. نعيشُ خلف الشاشات، ونتنقَّل بين الكبسولات -منازلنا وسياراتنا ومكاتبنا ومراكز التسوق- أقنعنا أنفسنا بأنَّه ما من حالات طوارئ، وبأننا وصلنا إلى النقطة التي تسعى إليها كافة الحضارات: أن نكون بمعزلٍ عن المخاطر الطبيعية.  الآن، انفجرت الفقاعة، ووجدنا أنفسنا عراةً مصدومين بعد أن عصف بحياتنا علم الأحياء، الذي حسبنا أننا أخضعناه. حين ينتهي هذا الوباء، سيكون الإغواء هو إيجاد فقاعة أخرى. لكن لا يمكننا تحمل تكلفة الاستسلام لمثل هذا الشعور. من الآن فصاعداً، ينبغي أن نكشف لعقولنا الحقائق المؤلمة التي طالما أنكرناها لفترةٍ طويلةٍ.  يعج الكوكب بالكثير من الأمراض، بعضها سيجعل فيروس كورونا المستجد يبدو بالمقارنةِ بها، سهل العلاج. استحوذت عليّ فكرة واحدة في السنوات الأخيرة: كيف سنطعم أنفسنا؟ إنَّ النزاع الأخير حول ورق المرحاض كان قبيحاً بما يكفي؛ آمل ألا نضطر أبداً إلى أن نشهد قتالاً على الطعام. لكن بات صعباً تخيل كيف نتجنب هذا.  بدأت تتزايد الأدلة التي تُظهر احتمالية تأثير الانهيار المناخي على إمداداتنا الغذائية. تتأثر الزراعة بالفعل في بعض المناطق في العالم من جرَّاء الجفاف والفيضانات والحرائق والجراد (الذي بيدَ أنَّ ظهوره في الأسابيع القليلة الماضية كان نتيجة الأعاصير المدارية). حين نُطلق على هذه المخاطر مصطلح “توراتية”، فإننا نعني أنها من ضمن الأحداث التي وقعت منذ عهدٍ بعيدٍ، لأناسٍ بالكاد نتخيل حياتهم. لكننا بتنا نشهدها الآن، بصورةٍ متزايدة.  يشرح مارك ليناس، في كتابه الجديد “Our Final Warning“، ما يمكن أن يحدث للإمدادات الغذائية مع كل زيادة في معدل الاحتباس الحراري. إذ يجد أن الخطورة القصوى تبدأ حين تصل الزيادة إلى 3 درجات و 4 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة. عند هذه النقطة، تهددنا سلسلةً من التأثيرات المتداخلة بالدفع بإنتاجنا الغذائي إلى دوامة الهلاك. تصبح درجات الحرارة في الهواء الطلق مرتفعةً للغاية بحيث لا يمكن للبشر تحملها، مما يحول دون زراعة الكفاف عبر إفريقيا وجنوب آسيا؛ وأيضاً سيقضي الإجهاد الحراري على الثروة الحيوانية، وتبدأ درجات الحرارة في تجاوز الحد المُهلك لمحاصيل النباتات في معظم أنحاء العالم، وتتحول المناطق الرئيسية في إنتاج الغذاء إلى مناطق جافة وترابية. وعندها يُصبح فشل المحاصيل في أنحاء العالم أمراً محتملاً بدرجة كبيرة- وهو ما لم نشهده قط في العالم الحديث.  يمكن لكل هذا إلى جانب تزايد التعداد البشري، ونقصان مياه الري والتربة الصالحة للزراعة، وانخفاض الملقِّحات، الدفع بالعالم نحو مجاعة حقيقية. وحتى في وقتنا الحالي الذي يملك فيه العالم فائضاً غذائياً، يعاني مئات الملايين من البشر من سوء التغذية نتيجة التوزيع غير العادل للثروة والسُلطة. يُمكن أن يؤدي نقص الغذاء إلى تجويع المليارات. وسيلجأ العالم للتكديس، مثلما يحدث دائماً، حين ينتزع الأثرياءُ الطعامَ من أفواهِ الفقراء. حتى إذا التزمت كل دولة بوعودها بموجب اتفاقية باريس بشأن المناخ -وهو ما يبدو مُستبعداً في الوقت الحالي- سترتفع درجة حرارة الجو ما بين 3 درجات إلى 4 درجات مئوية.  بفضل شعورنا الزائف بالأمن، فإننا لا نُقدم على فعل أي شيء تقريباً لاستباق هذه الكارثة، ناهيك عن منع حدوثها، بل يبدو بالكاد أن هذه المشكلة الوجودية تؤثر على وعينا. تزعم كل قطاعات إنتاج الأغذية أنَّ ممارساتها الحالية مستدامةٌ ولا تحتاج إلى تغيير. وحين أبديت اعتراضي على هذا، قوبلتُ بوابلٍ من ردود الفعل الغاضبة، وسوء المعاملة، والتهديدات من النوع الذي لم أواجهه منذ عارضت قرار شن الحرب على العراق. تُحيط بنا الأبقار والحملان في كل مكان، لكنَّنا بالكاد نفكر في تطوير أنظمة الغذاء الجديدة التي نحتاجها، مثل الأغذية المصنَّعة.  لكنَّ هذه ليست سوى واحدة من أزماتنا الوشيكة. إذ يُحتمل أيضاً أن زيادة مقاومة المضادات الحيوية أصبحت مميتة مثل أي مرضِ جديد. ولعلَّ هذا يرجع إلى الإسراف العجيب في استخدام تلك العقاقير باهظة الثمن في كثيرٍ من مزارع تربية الماشية، حيث تُحشد أعداد كبيرة من حيوانات المزرعة معاً، وتُرش المضادات الحيوية بغرض الوقاية لمنع تفشِّي الأمراض التي لا مفر من ظهورها. في بعض أجزاء العالم، لا تُستخدم المضادات الحيوية بغرض الوقاية من الأمراض وحسب، بل  أيضاً باعتبارها منشطات للنمو. تُضاف جرعات قليلة إلى الأعلاف بوتيرة دورية؛ وهي استراتيجية تؤدي في الأساس إلى رفع مستوى مقاومة البكتيريا.  وفي الولايات المتحدة، حيث يُحرم قرابة 27 مليون فرد من التأمين الصحي، يُعالج بعض الأشخاص أنفسهم في الوقت الحالي باستخدام المضادات الحيوية البيطرية، بما فيها تلك التي تُباع بدون وصفة الطبيب لعلاج أسماك الزينة. ناهيك عن فشل شركات الأدوية في الاستثمار على نحوٍ كافٍ في البحث عن عقاقير جديدة. إذا فقدت المضادات الحيوية فعاليتها، سيصبح من المستحيل إجراء العمليات الجراحية، وستُشكل الولادة تهديداً مميتاً من جديد. ولا يعود بالإمكان استخدام العلاج الكيميائي بصورةٍ آمنة. بل حتى الأمراض الوبائية التي نسينا أمرها ستمثل تهديداً لحياتنا. ينبغي لنا مناقشة هذه المسألة بقدر ما نتحدث عن كرة القدم، ولكن هذا أيضاً بالكاد يحدث.  لأزماتنا المتعددة، وفيروس كورونا ومقاومة المضادات الحيوية هما اثنان منها فقط، أساسٌ مشترك. وثمة مثالٌ على ذلك يتضح في استجابة مُنظمي ماراثون باث هاف -حدثٌ ضخم بدأت فعالياته في 15 مارس/آذار- لتوسلات الكثيرين لدفعهم لإلغائه. لكنهم صرَّحوا بأنه: “فات الأوان لإلغاء الماراثون أو تأجيله. لقد انتهينا من بناء الملعب، ووضعنا المرافق الأساسية، وأصبح الموقع والمتعهدون على أهبة الاستعداد”. وبعبارةٍ أخرى، ارتأى المنظمون أنَّ التكاليف التي أُنفقت على الحدث تفوق أي آثار مستقبلية قد تنجم عنه، والمقصود أي احتمال لحدوث انتقال للعدوى أو حالات وفيات محتملة.  يمكن للمدة الزمنية التي استغرقتها اللجنة الأولمبية الدولية لاتخاذ قرار تأجيل الماراثون أن تسلط الضوء على قرارات مماثلة -لكنها على الأقل اتخذت قرار الإلغاء في النهاية. إنَّ التكلفة الغارقة في قطاع صناعة الوقود الأحفوري، والزراعة، والمصارف، ومجال الرعاية الصحية، وغيرها من القطاعات، تحول دون التغيرات السريعة التي نحتاجها؛ إذ يصبح المال أكثر أهمية من الحياة.  ثمة طريقتان للتعامل مع هذه الأزمة. إما الاستمرار في الإنكار، مثلما فعل بعض الناس. فبعض أولئك ممن رفضوا التهديدات الأخرى، مثل انهيار المناخ، يسعون أيضاً إلى الاستهزاء بخطر فيروس كورونا المُستجد. ويتضح ذلك في ما فعله رئيس البرازيل، جايير بولسونارو، الذي يدَّعي أنَّ الفيروس ليس سوى “إنفلونزا عادية”، واعتبر الإعلام والسياسيون المعارضون الذين طالبوا بتطبيق الحجر جزءاً من مؤامرةٍ تُحاك ضده.  أو أن تكون هذه هي اللحظة التي نبدأ فيها رؤية أنفسنا من جديد، لندرك أننا نخضع لعلم الأحياء والفيزياء، وحياتنا مرهونة بوجود كوكب ملائم للعيش. فلا نعود نستمع إلى الكذابين ومنكري الأزمات مُجدداً. ولا ينبغي أن نسمح مرةً أخرى لأكذوبة مطمئنة بأن تطيح بالحقيقة المُرَّة. لم يعد بوسعنا الخضوع لسيطرة أولئك الذين يلهثون خلف الأموال على حساب حياتنا. تُذكرنا جائحة فيروس كورونا بأننا ننتمي إلى العالم المادي.  ـ هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.  جورج مونبيوت هو كاتب مقالات رأي لدى صحيفة The Guardian البريطانية.