هل الموقف الأمريكي من منظمة الصحة استثناء من ترامب؟

هل الموقف الأمريكي من منظمة الصحة استثناء من ترامب؟

إن موقف الرئيس الأمريكي من منظمة الصحة العالمية ينسجم بشكل كبير مع مواقف ترامب ورؤيته لمنظومة التعاون الدولي، لقد سبق للولايات المتحدة الأمريكية أن انسحبت في عهده من منظمة اليونسكو بدعوى استمرار انحياز هذه الأخيرة ضد إسرائيل ومن اتفاقية باريس للمناخ بسبب ما عبر عنه القرار الأمريكي حينئذ بـ "العبء الاقتصادي الظالم الواقع على العمال الأمريكيين والشركات ودافعي الضرائب بسبب التزامات الولايات المتحدة بموجب الاتفاق". كما وقع ترامب قرار الانسحاب من منظمة الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ (TPP)، معتبرا إياه "أمرا عظيما لعمال أمريكا". هذا إلى جانب الانسحاب الأمريكي الأحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني واستخدامها لحق الفيتو بشكل متعسف في الكثير من القضايا الإنسانية، والتي تشكل القضية الفلسطينية أبرزها وأكثرها تضررا من نظام دولي معد على مقاس القوى الكبرى التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية.

لكن الأكيد أن استفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي وقدرتها المتواصلة على فرض رؤيتها الأحادية جعل الفاعل الأمريكي يضيق ذرعا بقواعد القانون الدولي وبالمنظمات الدولية التي لا يلجأ إليها إلا لفرض رؤيته، حتى إذا تعذر عليه ذلك قلب الطاولة منسحبا أو معلقا دعمه المالي. لكن تجدر الإشارة إلى أن الموقف الترامبي ليس استثناء في تاريخ علاقات الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية فعلى سبيل المثال سبق للرئيس الأمريكي ريجن أن اتخذ قرار الانسحاب من منظمة اليونسكو بدعوى انحيازها للاتحاد السوفياتي.

أزمة منظمة الصحة العالمية تعكس تراتبية النظام الدولي الذي يجعل القضايا الإنسانية (الاجتماعية، الصحية، الثقافية...) في أدنى أولوياته. الأمل في أن تكون لأزمة فيروس كورونا أثارا إيجابية على مستوى إعادة النظر في أولويات الدول والشعوب

لا يمكن أن نعالج موقف دونالد ترامب من منظمة الصحة العالمية ومن غيرها من القضايا بالاعتماد على طبيعته الشخصية، فطابع التهريج الذي يتميز به خطابه والحدة التي يتحدث بها خصومه الديموقراطيين كلما لاح لهم تغيرا في المواقف الدولية من السياسة الأمريكية والمتابعات القضائية والتحقيقات التي مازلت تبحث في الدور الروسي المفترض في الانتخابات الرئاسية الأمريكية كلها تفاصيل المشهد الأمريكي المغرق في الهوليودية، لكن الثابث الأكيد أن منصب الرئيس الأمريكي، رغم أهميته الدستورية كرئيس للإدارة التنفيذية، منتخب بشكل مباشر، لا يمنحه صلاحيات غير محدودة ولا يسمح له بتجاوز قواعد اللعب الأمريكي أو بالمساس بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية. ثم كيف يمكن أن ننسى موقف الولايات المتحدة الأمريكية الرافض للمحكمة الجنائية الدولية بل ولجوؤها إلى اتفاقيات ثنائية مع دول موقعة على اتفاقية روما، المؤسسة للمحكمة الجنائية، من أجل تحصين الجنود الأمريكيين من المتابعة إذا ما قاموا بجرائم ضد الإنسانية.

الجديد في الحالة الترامبية أن الموقف من القانون الدولي ومؤسساته واضح بل إن الانسحاب من كثير من الالتزامات الدولية للولايات المتحدة الأمريكية كان من أهم النقاط التي دافع عنها دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية الرئاسية. إن المواقف الرافضة للقرار الأمريكي لا ينبغي أن تتجاهل الحاجة الملحة لإصلاح النظام الدولي وفق مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار حاجيات كل الشعوب وتستجيب لتطلعاتها. حتى تعكس قواعد القانون الدولي المبادئ الانسانية التي من المفروض أنها كانت خلفية ميثاق الأمم المتحدة. هذا الميثاق الذي أصبحت متجاوزا بسبب التدخلات الواقعية الأحادية للقوى الكبرى لكن أيضا بسبب آليات وقواعد التعامل الدولي غير غير المنصفة، فإما أنها تعتمد في تمرير قراراتها على الوزن الاقتصادي والمالى للدول الأعضاء كما هو حال المؤسسات المالية الدولية أو أنها تعكس واقع الدول العظمى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، كما هو حال مجلس الأمن الدولي.

وحدها المنظمات الدولية ذات البعد الاجتماعي والثقافي والحقوقي أو بعض الهيئات المفتقدة للقوة التنفيذية (كالجمعية العامة للأمم المتحدة) من تفتح فيها المنافسة أمام كل دول العالم. وهذا ما يفسر أن أغلب القرارات المنصفة لدول العالم الثالث تصدر من هذه المنظمات. بفضل ديموقراطية آلياتها التقريرية التي تفرز قرارات يستحيل الوفاء بها دون دعم القوى الكبرى. فتتحول قراراتها إلى بيانات أخلاقية يتم من خلالها إبراء ذمة البعض أو تستعمل للتعبير عن نزاهة نظام دولي يفقد جدواه كل يوم حتى في نظر صناعه ورعاته.

إن أزمة منظمة الصحة العالمية تعكس تراتبية النظام الدولي الذي يجعل القضايا الإنسانية (الاجتماعية، الصحية، الثقافية...) في أدنى أولوياته. الأمل في أن تكون لأزمة فيروس كورونا أثارا إيجابية على مستوى إعادة النظر في أولويات الدول والشعوب، في أفق بناء نظام دولي أكثر إنسانية وأكثر إنصافا. إنسانية تعيد الاعتبار لقضايا الصحة والتعليم والثقافة وانصافا يسمح لكل شعوب الأرض ودولها في المساهمة في القرار الدولي بعيدا عن هيمنة هذا الطرف أو ذلك. حينئذ لن يكون لانسحاب دولة أو مجموعة دول من اتفاق أو من منظمة دولية ما أي تأثير على مصالح شعوب العالم ومصائرها. إن مساءلة النظام الدولي لا ينبغي أن يقتصر على الشق السياسي والعسكري والأمني، بل ينبغي أن تمتد تلك المساءلة إلى الأسس الاقتصادية والمالية والتقنية التي تضمن استدامته وفق نفس قواعد اللعب وتوفر للقوى النافذة كل إمكانيات إعادة إنتاج التوازنات الدولية والإقليمية
بما يناسب مصالحها.

للكاتب: محمد الخالدي / قناة الجزيرة