من جنوب إفريقيا حتى تركيا.. كيف سيكون تأثير انهيار الاقتصاد العالمي على الأسواق الناشئة بسبب كورونا؟

اعتدنا الاعتقاد أنَّ الأزمة المالية في 2007/2008 أرست معيار الصدمات الوحشية التي يمكن أن تعصف بالعالم. لكن تلك الأزمة استغرقت 12 شهراً للانتشار من الضواحي المكدسة بالعقارات مفرطة التكاليف في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وجنوبي إسبانيا إلى المراكز المالية في أنحاء العالم. أما في الوقت الحالي، استغرقت جائحة كورونا المستجد 3 أشهر فقط لتجتاح الصين بأكملها […]

من جنوب إفريقيا حتى تركيا.. كيف سيكون تأثير انهيار الاقتصاد العالمي على الأسواق الناشئة بسبب كورونا؟
اعتدنا الاعتقاد أنَّ الأزمة المالية في 2007/2008 أرست معيار الصدمات الوحشية التي يمكن أن تعصف بالعالم. لكن تلك الأزمة استغرقت 12 شهراً للانتشار من الضواحي المكدسة بالعقارات مفرطة التكاليف في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وجنوبي إسبانيا إلى المراكز المالية في أنحاء العالم. أما في الوقت الحالي، استغرقت جائحة كورونا المستجد 3 أشهر فقط لتجتاح الصين بأكملها أولاً، ثم أوروبا وأمريكا الشمالية. ومع امتداد الجائحة غرباً، أشعلت أزمة اقتصادية ستفوق حدتها أي شيء شاهدناه من قبل.  تحديات جسام أمام اقتصادات الدول الناشئة تقول مجلة Foreign policy الأمريكية، إن موجة الصدمة العالمية هذه لا تسير وفق تسلسل زمني منتظم. وفي الغرب، كان الفيروس هو ما أشعل فتيل الأزمة المالية. أما في الأسواق الناشئة الكبرى في الاقتصاد العالمي، مثل البرازيل والأرجنتين ومنطقة إفريقيا جنوب الصحراء والهند وتايلاند وماليزيا، فلا يزال الفيروس لم يصل بكامل قوته إليها. وبالنسبة لهذه الأسواق، بدأت موجة الصدمة المالية قبل تفشي الفيروس فيها. وتهدد الأزمتان المتتاليتان بإثارة اضطرابات جارفة في الأسواق الناشئة التي سيكون تأثيرها على الاقتصاد العالمي أقوى بكثير من أي تأثير قد يتركه رئيس أمريكي مخادع أو حرب تجارية. وفي ضوء المخاطر التي تهدد السكان، والضغوط التي قد تئِّن تحتها الأموال العامة، والاضطرابات في الأسواق المالية، تواجه العديد من الأسواق الناشئة والدول النامية تحدياتٍ جساماً. فهل سيكون لديها الموارد اللازمة لتخطي هذه التحديات؟ وإذا كانت الإجابة لا، إلى من ستلجأ طلباً للمساعدة الخارجية في عالم تزداد معاناته من الانقسام والتعددية القطبية، ودخلت فيه الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي إلى حالة إغلاق غير مسبوقة؟ الرئيس الصيني شي جين بينغ ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا ، والرئيس البرازيلي جاير بولسونارو ، يحضرون قمة بريكس الحادية عشرة في برازيليا ، البرازيل ، في 14 نوفمبر ، 2019/ AFP من جنوب إفريقيا حتى تركيا تتصدر جنوب إفريقيا قائمة الدول العرضة للخطر. إذ تتجه أعداد حالات الإصابة بالفيروس في جنوب إفريقيا بسرعة إلى نقطة حرجة. ولا يتمكن نظامها الصحي في أفضل ظروفه من التعامل مع 7.7 مليون مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية. وقد أعلنت البلاد فرض حالة العزل. ونزل الجيش إلى الشوارع.  وفي الوقت نفسه، انهار الراند (عملة جنوب إفريقيا) وخفضت وكالات التصنيف حالة الديون السيادية لجنوب إفريقيا إلى وضع متدنِّ. وفي البرازيل، التي تعد نجماً آخر من نجوم عصر العولمة البارزين، أصيب مقربون من الرئيس جايير بولسونارو بالمرض. وكانت قيمة العملة آخذة في الانهيار حتى قبل أن يقرر بولسونارو تجاهل أي نهج استراتيجي للتعامل مع الفيروس. وتراجعت اقتصادات كل من تشيلي وتايلاند وتركيا.  وخرجت عملية إعادة هيكلة الديون التي تشتد الحاجة إليها في الأرجنتين عن مسارها. وسوق الأسهم في الهند آخذة في التراجع، فيما ينخفض سعر صرف عملتها وتتعرض بنوكها للضغوط. وفي الوقت نفسه، أصيبت صناعتها المزدهرة في التكنولوجيا ومراكز الاتصال بالشلل.  وقد وجهت هذه الصدمة ضربة لا لأسواق الأسهم والسندات الحكومية فحسب. بل وللبضائع أيضاً. وكان فشل محادثات النفط بين السعودية وروسيا أحد المحفزات الرئيسية لعمليات البيع الهائلة في 6 مارس/آذار. ومن حينها، أدى تصدير المنتجين الرئيسيين للنفط بأسعار زهيدة إلى انخفاض أسعاره. والضحية المقصودة هي الشركات الناشئة عالية التكلفة في حقول الصخر الزيتي في الولايات المتحدة. ولكن لا يغيب عن بالكم مُصدِّرو النفط الآخرون مثل نيجيريا الغارقة في الفقر، والجزائر الضعيفة، التي يمثل النفط والغاز 85% من عائدات صادراتها. كيف نفهم الأزمة؟ ولفهم العوامل التي تساهم في هذا التراجع الهائل للاستثمار في الأسواق الناشئة، ضعوا في اعتباركم طرحاً تجارياً اشتهرت به عولمة القرن الحادي والعشرين: شركة كبيرة في عالم الأسواق الناشئة تقدم 500 مليون دولار في سندات الشركة لتقديم عائد أعلى قليلاً من مثيلاتها المتوفرة في السوق الأمريكية المزدحمة. وحجم هذا الإصدار للسندات يعني أنه كان مدرجاً في مؤشر دولي مؤثر للسندات مثل مؤشر سندات السوق الناشئة الخاص بمصرف J.P.Morgan، الذي أصبحت المؤسسات الاستثمارية في الغرب تستخدمه منذ عام 2007 لتنويع استثماراتها.  وسيَسعد مديرو الصناديق بأخذ العائد الأعلى المعروض من شركات آسيا وأمريكا اللاتينية التي كانت صحف ميزانياتها العمومية غالباً ما تُدار بدرجة أكبر تحفظاً من مثيلاتها الغربية المتهورة. وكان المقترِض في الأسواق الناشئة يستفيد من الهامش بين تكاليف التمويل الأمريكية ومعدلات العائد التي سيكتسبها في الاقتصادات سريعة النمو في آسيا أو أمريكا اللاتينية. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن ترتفع قيمة العملات التي يعمل بها المقترض في الأسواق الناشئة مقابل الدولار، ما يؤدي إلى انخفاض تكلفة القروض. ولتمويل هذه الصفقة، لن تضطر إلى الذهاب إلى الولايات المتحدة بنفسك. إذ يجري تداول كميات ضخمة من الائتمان المرتبط بالدولار خارج الولايات المتحدة. ومثل هذه الصفقات تُبرم في أماكن مثل دبي وسنغافورة وهونغ كونغ، وهي الأماكن الرئيسية في سوق التبادل العالمي للمطالبات والالتزامات الخاصة بالدولار. وكانت شركات الطيران في هذا العالم المتعولم من أمثال شركتي الإمارات وكاثاي، وهي شركات طيران دولية ضخمة ليس لديها سوق محلية يمكنها امتلاكها. جبال من الدين العالمي عامل صحي هندي يرتدي بدلة واقية يرش مطهرًا داخل حافلة في نيودلهي 15 مارس. / Getty Imagesوبين عامي 2007 و2019، تضاعفت قيمة ديون شركات الأسواق الناشئة المتداولة دولياً خمس مرات تقريباً من 500 مليار دولار إلى 2.3 تريليون دولار. وخلال فترة مماثلة، اشترى المستثمرون الأجانب ربع السندات السيادية الخاصة بالعملة المحلية التي أصدرتها حكومات الأسواق الناشئة، مما ساعد من بين أمور أخرى على تمويل بنية تحتية جديدة مثيرة للإعجاب. وقد حذر خبراء الاقتصاد العالمي لبعض الوقت من أن هذا الجبل من الدين العالمي ينطوي على مخاطر. وينطبق هذا أكثر من غيره على ما يُطلَق عليه المقترضون في الأسواق الحدودية، وهي الدول منخفضة الدخل التي تواجه مخاطر عالية، والتي تضاعفت ديونها التجارية بالعملة الصعبة ثلاث مرات على مدى السنوات الخمس التي سبقت عام 2019 لتصل إلى أكثر من 200 مليار دولار. وفي نهاية عام 2019، دخل ما يقرب من نصف الدول الأقل دخلاً في العالم في أزمة ديون. والآن، انقلب منطق الاستثمار في الأسواق الناشئة بالكامل. فبينما يهرع المستثمرون في كل مكان إلى الأمان، ارتفعت قيمة الدولار، وهو ما زاد من تكلفة ديون الدولار. وهبطت أسعار البضائع. وبعد عزل الصين وأوروبا والولايات المتحدة، لم يعد مصدّرو السلع المصنعة والبضائع يجدون من يبيعون له. ولا عجب أن تكون أسواق الأسهم من جاكرتا إلى ساو باولو في حالة تدهور كبير. وتوقفت شركة طيران الإمارات، رمز العولمة الشهير، عن العمل.  وفي الأسبوع الماضي، أنعشت الجهود المالية والنقدية الضخمة أسواق الأسهم قليلاً. وكانت عملية البيع ضخمة على المستثمرين لدرجة دفعتهم إلى البحث عن الصفقات. وأدى ضخ كميات كبيرة من السيولة الدولارية إلى انخفاض قيمة الدولار. لكن الركود الفعلي في الاقتصادات المتقدمة في العالم بدأ للتو، ولم يصل تأثير الجائحة بكامل قوته إلى الأسواق الناشئة حتى الآن. صدمات متتالية ولا يُمثّل الوباء أوّلى الصدمات التي واجهتها الأسواق الناشئة مُؤخّراً. إذ تعرّض التدفّق الهائل للاستثمارات والتجارة، الذي ربط الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة بشكلٍ غير مسبوق، للانقطاع المُتكرّر. وكانت هناك أزمةٌ مُصغّرة في الصين عام 2015، حين انهار سوق الأوراق المالية، وانخفضت العملة، وفقدت البلاد تريليون دولار. وبعد عامٍ واحد انخفضت أسعار النفط والسلع الأساسية الأخرى، مما بعث بموجةٍ صادمة في أوساط مُنتجي السلع الأساسية. وبالنسبة للعديد من الأسواق الناشئة بدأ التباطؤ العام في 2013 مع موجة الغضب المزعومة، حين أدّت شائعاتٌ عن تشديد سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تدفُّق الأموال عائدةً إلى الولايات المتحدة بحثاً عن أسعار فائدةٍ أعلى. ومنذ ذلك الحين، تراجعت عملات العديد من الأسواق الناشئة. وجاءت بادئة موجة الغضب إثر إطلاق موجةٍ ضخمة من السيولة الدولارية في الاقتصاد العالمي، على يد الاحتياطي الفيدرالي خلال عهد رئيسه بن برنانكي. وبدأ الأمر مع الأزمة المالية عام 2008. إذ نجت الأسواق الناشئة من الأزمة المصرفية في ذلك العام، باستثناء كوريا الجنوبية. لكن الصدمة وصلتهم في صورة أكبر وأكثر انهيار مُفاجئ للتجارة العالمية حتى تاريخه.  أزمة 2020 ستفوق حدتها كل ما سبق لكن عام 2020 سيتفوّق على تلك الأزمة بسهولة. وأسهمت الحوافز الضخمة التي قدّمتها بكين في إنقاذ الأسواق الناشئة عام 2008، إلى جانب أشياء أخرى. إذ مدّت الصين أجل الاعتماد كما يحدث في زمن الحرب، لتُؤكّد بذلك على الدور الذي كانت تلعبه بشكلٍ مُتزايد منذ أوائل الألفية الثالثة بوصفها مُحرّكاً للنمو العالمي. كما حملت الصين الاقتصاد العالمي على عاتقها وأخرجته من مرحلة اضطرابات سابقة في الفترة ما بين الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 وأزمة روسيا عام 1998، وبين انهيار الأرجنتين عام 2001. وكانت أزمة الأرجنتين شديدةً على نحوٍ خاص، إذ أسفرت عن إغلاق النظام المصرفي في البلاد بالكامل، واندلاع أعمال الشغب الجماعية، وإجلاءٍ مُهين للرئيس بطائرةٍ مروحية. ومنذ التسعينيات باختصار، يُمكن القول إنّ الأسواق الناشئة استفادت من العولمة، لكنّها اضطّرت للتعامل مع تقلّباتها الشديدة. إذ ألحقت أزمات عام 1998 و2001 أضراراً كبيرة بروسيا والأرجنتين. لكنّ ما شهدناه في الأشهر الأخيرة هو أمرٌ غير مسبوق، لأنّه بمثابة عملية بيعٍ شاملة وعشوائية على نطاقٍ هائل. وهناك دليلٌ كامل للصدمات الخارجية من هذا النوع. وهو يختلف عن ما اعتدنا تسميته بـ “إجماع واشنطن”، نسخة الأسواق الحرة الأصلية من عولمة التسعينيات. لأنّ هذا النهج انتهى إلى الأبد بعد عام 2008. وباتت إجراءاتٌ مثل ضوابط رأس المال لتقليل تدفّق الأموال للداخل والخارج، التي كانت تُعتبر مُخزيةً ذات يوم، تحصل على موافقة الحكومات الوطنية اليائسة وصندوق النقد الدولي. وفي صيف عام 2019 أصدر بنك التسويات الدولية، النادي الدولي لمحافظي البنوك المركزية، مُلخّصاً صريحاً للكيفية التي تعلّمت بها الأسواق الناشئة عالية العولمة التعامل مع المخاطر المالية. وانقسمت النصائح إلى ثلاثة مُكوّنات. أوّلها أنّ الحكومات الوطنية يجب أن تستخدم احتياطات أجنبية كبيرة لتزويد أنظمته المالية بالدولارات، وإبطاء الانخفاض الهائل في قيمة عملاتها.  وبعدها ينصح بنك التسويات الدولية بتدخلات تنظيمية استباقية في ميزانيات الشركات -البنوك والصناديق المالية والشركات الصناعية مثل شركات النفط- الكبيرة بما فيه الكفاية للإضرار بالاقتصاد الوطني. وفي النهاية أقرّ بنك التسويات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، بأنّ ضوابط رأس المال ربما تكون ضروريةً لوقف حركة رأس المال المُفرطة.  وأشارت صحيفة The Economist البريطانية إلى أنّ ترويج بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولي لضوابط رأس المال هو أشبه بمباركة الفاتيكان لتحديد النسل، لأنّ إزالة ضوابط رأس المال كانت بمثابة السياسة الرئيسية للعولمة بين السبعينيات والتسعينيات. لكن الأدلة التي حصلنا عليها خلال العقود الأخيرة لا يُمكن إنكارها. ومخاطر الاندماج المالي بلا حدود هي كبيرةٌ للغاية بكل بساطة، وخاصةً في عصرٍ يشهد مشاركة الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان في سياسةٍ نقدية توسّعية هائلة. على خطى الصين ورغم أنّ بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولي لا يعترفان بذلك صراحة، لكنّ هذه الأدوات تحديداً هي نفس الأدوات التي استعملتها بكين لإدارة صعود الاقتصاد الصيني منذ التسعينيات. وهذا هو “إجماع بكين” الذي لا يجرؤ أحدٌ على ذكر اسمه. إذ وضع الصينيون معايير عالية، والأزمة الراهنة تضعهم في مواجهة اختبارٍ صارم. وسارت العديد من الأسواق الناشئة على خُطى الصين في تكديس احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية، رغم أنّ جنوب إفريقيا وتركيا تحديداً ليستا جاهزتين بالكامل نتيجة التزامات الديون المستحقة عليها. أما بالنسبة لتوصيات المخاطر التنظيمية في ميزانيات الشركات -إدارة المخاطر الكلية المزعومة-، فهي تُمثّل دائماً مسألةً صعبة من الناحية السياسية. وتمتلك البنوك تأثيراً كبيراً وعلاقات سياسية جيدة. وتُولّد الشركات الحكومية الضخمة، مثل Eskom في جنوب إفريقيا وPetrobras في البرازيل وPemex في المكسيك، عدداً من المخاطر التي تصعُب إدارتها.  وفي النهاية، فإنّ اللجوء إلى ضوابط رأس المال عند تعرُّض البلاد للضغوطات هي خطوةٌ خطيرة، لأنّها قد تُقلق السوق وتزيد تصعيد حركة رأس المال التي يُفترض بالضوابط تهدئتها. وتزداد صعوبة إدارة الأسواق الناشئة نتيجة حقيقة أنّ الأسواق المالية في لندن وول ستريت تدور حول نفسها، والاقتصادات الكُبرى في حالة سقوطٍ حر -أو خرجت من الحالة للتو. ووسطٍ عالمٍ يركب موجة صدمةٍ هائلة ومُتزامنة، يجب أن تنظر الأسواق الناشئة نحو نقطة القوة التي يجب أن ترتكز عليها الآن. ما نقطة القوة التي يجب أن ترتكز عليها الأسواق الناشئة؟ بالنظر إلى الأزمة في الغرب، ربما يفترض المرء أنّ صُنّاع السياسة في الغرب يُركّزون فقط على مشكلات بلادهم. لكن اهتمام الغرب والولايات المتحدة تحديداً بالعولمة هو اهتمامٌ كبير. إذ شهدت السنوات الأخيرة إسهام الأسواق الناشئة في نمو الاقتصاد العالمي أكثر من أيّ وقتٍ مضى. وفي عام 2017، حقّقت شركات “إس وبي 500” نحو 44% من مبيعاتها خارج الولايات المتحدة. وفي المراكز المالية لوول ستريت ولندن، فإنّ مخاطر العدوى المالية حقيقية -وهو مصطلحٌ مُنتشر بات ملائماً فجأة. وفي حال أعاقت أزمةٌ مالية جهود الاقتصادات الكُبرى لاحتواء الجائحة؛ فمن شأن ذلك أن يُطيل أجل الكارثة الإنسانية ويُبطئ عملية استعادة الاقتصاد العالمي لعافيته. ما الذي يستطيع الغرب فعله إذاً؟ ربما يُمثّل إعلان السلام التجاري خطوةً مُفيدة، كما هو الحال مع عودة اقتصادات أوروبا وأمريكا للوقوف على أقدامها. ولكن هذه المشاريع مُتوسّطة المدى. وبالنظر إلى الأداء المالي الذي شهدناه منذ بدء عام 2020، فإنّ المطلوب على نحوٍ عاجل الآن هو ضمان قدرة الأسواق الناشئة على تلبية احتياجاتها لتمويل الدولار والدفاع عن نفسها ضد الهجمات على أسعار الصرف، دون استنفاد احتياطياتها المالية -خاصةً في ما يتعلّق بالدولار الأمريكي الذي اقترضت شركاتهم المليارات منه. وخلال الأزمة المالية السابقة، كان الاحتياطي الفيدرالي وصندوق النقد الدولي هما الوسيلتان الرئيسيتان لتوجيه السيولة الدولارية إلى الأسواق الناشئة. وفي عام 2009 عرض الاحتياطي الفيدرالي على المكسيك، والبرازيل، وكوريا الجنوبية، وغيرها من الدول خطوطاً لتبادل السيولة تمنح بموجبها البنوك المركزية لبعضها البعض حصصاً من عملاتها.  وبالتالي يُمكن تمرير الدولارات إلى النظام المالي للمُستلم. وأُعيدت خطوط التبادل تلك خلال الأسابيع الأخيرة، وكانت البرازيل والمكسيك وكوريا الجنوبية هي أكبر الأسواق الناشئة التي اختيرت من جديد من أجل هذا الإدماج. وأدّت الخطوات المُتبّعة حتى الآن إلى وقف الارتفاع المُذهل في سعر الدولار. لكن المكسيك لا تزال تتعرّض لضغوطات هائلة. وربما يكون الخيار الوحيد في حالتها هو الحصول على مساعدةٍ أكبر من الولايات المتحدة، التي يرتبط بها الاقتصاد الأمريكي سرياً. وجرى إدراج البرازيل والمكسيك وكوريا الجنوبية على هذه القائمة بسبب حجمها، وحقيقة أنّ صُنّاع سياساتها يتمتّعون بثقة نظرائهم في الولايات المتحدة، وخشية التداعيات العكسية المُحتملة على اقتصاد الأمريكي. ومن بين أعضاء مجموعة العشرين الآخرين، نجد أنّه من المُفاجئ عدم إدراج إندونيسيا على القائمة هذه المرة، رغم حجمها وتعقيد عملية صُنع سياستها.  ولا نعلم شيئاً عن طبيعة المناقشات التي جرت داخل الاحتياطي الفيدرالي، لكن يبدو أنّ دولاً مثل الهند وتركيا وجنوب إفريقيا وتايلاند جرى استبعادها من القائمة. ومن المرجح أنّ سبب ذلك هو مزيج من هشاشة عملاتها، والشكوك في استقلالية بنوكها المركزية، ومحدودية ترابطها مع الولايات المتحدة، وقدرتها على استخدام أدوات أخرى -مثل ضوابط الصرف- لتحديد تدفُّق الأموال إلى الخارج. هل أصبح صندوق النقد الدولي الملاذ الأخير؟ تقول فورين بولسي، بخلاف الدعم المُباشر من الاحتياطي الفيدرالي، فإنّ صندوق النقد الدولي لا يزال يُمثّل الملاذ الأخير. وفي أعقاب الجدل الذي أثارته تدخّلات صندوق النقد الدولي في الأزمة المالية الآسيوية أواخر التسعينيات، تعرّض الصندوق لأزمة شرعية كبيرة. وأثار اقتحامه لسيادة دولٍ مثل إندونيسيا استياءً كبيراً. وبحلول عام 2007، صارت قائمة العملاء المُقترضين من الصندوق معدودةً على الأصابع. وتقلّصت ميزانيته وجرى تسريح العديد من موظفيه. ودار الحديث حول إلغاء صندوق النقد الدولي بالكامل. لكن أزمة عام 2008 أنقذت الصندوق. إذ أطلق صندوق النقد الدولي سلسلةً من البرامج لتوفير المزيد من التمويل للدول التي تقع خارج دائرة السيولة الدولارية التي يُوفّرها الاحتياطي الفيدرالي.  وكان تمكين الصندوق من فعل ذلك واحدةً من أولى مهمات مجموعة العشرين، والتي توافقت في ثاني قمم الزعماء -التي عقدتها بلندن ربيع عام 2009- على زيادة تمويل صندوق النقد الدولي إلى 750 مليار دولار. واليوم يُجهّز الصندوق نفسه، تحت قيادةٍ جديدة، لتقديم تلك الأموال إذا لزم الأمر. ولكن من سيكون أول عملائه؟  ربما يتوقّع المرء تشكيل قائمةٍ طويلة على الفور -ولكن المُقترضين المُحتملين لا يجدون الأمر مُلحّاً في الوقت الحالي، وغالبيتهم يعتبرون اللجوء إلى صندوق النقد الدولي بمثابة محنةٍ مُذلّة. ومن المرجّح أنّ أول الواقفين في الصف سيكونون الأفقر والأكثر يأساً في “الأسواق الحدودية”.  إذ ربما تُواجه دول إفريقيا جنوب الصحراء أزمة ديون جديدة، على غرار تلك التي بلغت ذروتها مع حملة تخفيف أعباء الديون أوائل الألفية الثالثة. وربما تنتظر الدول الأخرى لفترةٍ أطول من اللازم -بدرجةٍ مُضرة- قبل أن تطلُب المساعدة. ومن هنا جاءت الدعوات العاجلة من اقتصاديي التنمية ليُصدر صندوق النقد الدولي حقوق سحب خاصة بقيمة 500 مليار دولار. وحقوق السحب الخاصة التي يُصدرها صندوق النقد الدولي هي أشبه ما نملكه بعملةٍ عالمية مقبولة دولياً ولا ترتبط بأيّ بنكٍ مركزي وطني. ومنح قروض من حقوق السحب الخاص لأكثر المُتضرّرين من الضغوطات سيُوفّر إغاثةً فورية. وفي حال قرّرت الدول الغنية -التي لا تحتاج إلى حقوق السحب الخاصة- إعادة حصصها للصندوق؛ فإنّ ذلك سيزيد من قوته بشدة. من سيخرج من الأزمة أسرع.. هل تكون الصين؟ وبعيداً عن الحاجة إلى تخفيف الضغط المالي الحاد، فإنّ الأسواق الناشئة بحاجةٍ حقيقية إلى عودة الأعمال التجارية لطبيعتها في الاقتصاد العالمي. لذا يجب على الأوروبيين والأمريكيين إنقاذ أنفسهم. ولكن هناك طرفاً رئيسياً ثالثاً الآن في الاقتصاد العالمي: وهو الصين. فبعد أن نجحت الصين في السيطرة على الفيروس؛ يبدو وكأنّها ستخرج من الأزمة الاقتصادية أسرع من أوروبا والولايات المتحدة. إذ أعادت سريعاً كتابة نص مساعيها الفاشلة لإنكار وجود الفيروس في يناير/كانون الثاني. كما شرعت في تقديم المعونات الطبية للدول الأخرى. ولكن هل تستطيع تقديم المزيد؟ وما الذي تستطيع فعله من الناحية الاقتصادية والمالية؟ والأمر الصادم حتى الآن هو مدى غياب الصين عن عناوين الأخبار الاقتصادية. فرغم بدء الأزمة هناك، لكن النظام المالي الصيني حصل على غطاءٍ وقائي من بنك الشعب الصيني. وظلّت العملة الصينية مُستقرةً نسبياً. وهذه نعمةٌ كبيرة للأسواق الناشئة. إذ إنّ الشيء الوحيد الأسوأ من ارتفاع سعر الدولار بالنسبة لتلك الأسواق هو ارتفاع سعر الدولار وانخفاض الرنمينبي في الوقت ذاته. وهذا لأنّ الأسواق الناشئة تعتمد في تنافسيتها على التوازن بين العملتين. والصين والولايات المتحدة هي أسواقٌ كُبرى. ويجري التسعير بالدولار، كما هو الحال مع التمويل. أعادت سريعاً كتابة نص مساعيها الفاشلة لإنكار وجود الفيروس في يناير/كانون الثاني. كما شرعت في تقديم المعونات الطبية للدول الأخرى. ولكن هل تستطيع تقديم المزيد؟ وما الذي تستطيع فعله من الناحية الاقتصادية والمالية؟ورغم أنّ النظام المالي الصيني ظلّ مُحصّناً نسبياً حتى الآن ضد الهلع، لكنه يفتقر إلى نوعية الدعم الاقتصادي الكبير الذي قدّمته بكين عام 2008. وأُديرت المعركة ضد الفيروس على طريقة “حرب الشعب” التي تعود إلى عصر ماو تسي تونغ. ولم تتجاوز الحوافز المالية، التي شملت الإقراض الخاص من بنوك السياسات، مبلغ الـ340 مليار دولار -أي أقل من الحوافز التي أقرّتها الولايات المتحدة وألمانيا. ولا شكّ أنّ النظام يتحيّن اللحظة المُناسبة، ويستعيد توازنه بعد صدمة الطوارئ الطبية. ولكن لا خلاف على أنّ بكين مُقيّدةٌ الآن أكثر مما كانت عليه قبل 12 عاماً. هذا لأنّ السيطرة على حالات التفشّي الجديدة للفيروس تُعَدُّ مهمةً حساسة، فضلاً عن الحالة الهشّة للنظام المالي الصيني بعد سنواتٍ من التحفيز. إلى جانب الكثير من المخاطر المدفونة في منظومة بنوك الظل الصينية شديدة التوسّع وقطاع العقارات المُتضخّم. كما أنّ شركات التطوير العقاري هي بمثابة كوارث تنتظر وقوعها، مثل شركة Evergrande المُثقلة بالديون. وربما تحتاج بكين إلى منح الأولوية لسلامة بنوكها قبل الضغط على دواسة تسريع الاقتصاد. وعليها كذلك أن تنظر إلى تراكم البنية التحتية غير المُنتجة نسبياً، والتي أثقلت كاهل اقتصادها بالديون. ويجب أن يهتم بنك الشعب الصيني بمسألة هروب الأموال الدراماتيكية الذي كافح معه في عامي 2015 و2016، حين فقد ربع احتياطاته الضخمة وأُجبِرَ على تشديد الرقابة بدرجةٍ كبيرة. وحينها اضطر بنك الشعب إلى طلب المساعدة من الاحتياطي الفيدرالي، في شكل سياسة أسعار فائدة مُناسبة من جانب رئيسة الاحتياطي الفيدرالي وقتها جانيت يلين. وكان الاحتياطي الفيدرالي سخياً للغاية في استجابته للأزمة حتى الآن، تحت قيادة رئيسه جيروم باول.  إذ وصلت أسعار الفائدة الأمريكية إلى مستوى الصفر، ويجري ضخ الائتمان بنشاط. مما يُخفّف الضغط عن بكين لإبقاء أسعار فائدتها مُرتفعة. ولكن بخلاف ذلك، ستكون الصين مُخطئةً تماماً إذا افترضت أنّ التحفيزات من جانبها ستلقى أيّ تعاون من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لأنّ إدارة ترامب تبدو مُهتمةً أكثر بتحميل الصين المسؤولية عن الجائحة. الصين قد لا تستطيع إقراض دول العالم النامي بعد الآن وبالنظر إلى هذه القيود، سيكون من العبث التنبُّؤ بأنّ الصين في عام 2020 ستُوفّر القوة المُحرّكة الكافية لسحب الاقتصاد العالمي من بركة الركود. وربما تجد الصين نفسها تتعامل مع أزمة ديونها العالمية الخاصة في شكلٍ مُصغّر بالطبع. فقبل 2020، كانت الصين قد ثبّتت أقدامها بوصفها المُقرِض الرئيسي لدول العالم النامي.  وبحسب التقديرات التي سبقت الأزمة، قدّمت الصين استثمارات وقروضاً مُباشرة تُعادل نحو 1.5% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. ووصل حجم الإقراض، في إطار مبادرة الحزام والطريق منذ عام 2013، إلى مئات المليارات من الدولارات. وخرجت الصين عن المألوف باستعدادها تحديداً لإقراض الدول الفقيرة، التي ستكون من بين الأكثر تضرّراً في حال حدوث أزمةٍ عالمية. وستكون الطريقة التي تُقرّر بكين التعامل بها مع ذلك الدين بمثابة اختبارٍ واضح لنوع الهيمنة الذي تطمح إليه. وعقب نهاية الحرب الباردة ازدهرت الأسواق الناشئة التي تُركّز على التصدير وسط عالم يُمكن فيه الموازنة بين مُحيط التمويل الدولاري، وبين الطلب الاستهلاكي المُتضخّم في الولايات المتحدة، وبين آلة النمو المزدهرة في الصين. لكن ذلك العالم كان ينهار حتى قبل ظهور فيروس كورونا.  إذ فرضت سلسلةٌ كاملة من القضايا الإشكالية اتّخاذ عددٍ من القرار المُؤلمة، التي لم تقتصر على الولايات المتحدة والصين -ومنها مبادرة الحزام والطريق، وشركة Huawei، وبحر الصين الجنوبي، وسياسات تغيّر المناخ، وخفض انبعاثات الكربون. حيث رفضت ماليزيا باستياء جهود الاتحاد الأوروبي للاستحواذ على تجارة زيت النخيل. في حين أنّ البرازيل، التي يتربّح مزارعوها من حرب فول الصويا بين الصين والولايات المتحدة، دخلت في حربٍ كلامية مع فرنسا بسبب غابات الأمازون المطيرة. وحتى في حال تمكّنا من اجتياز الأشهر القليلة المُقبلة من التهديد الحاد دون إصابات كبيرة، فإنّ صدمة فيروس كورونا ستترك مُشكلات رهيبة لإعادة الإعمار. وتعتمد النظرة مُتوسّطة المدى للأسواق الناشئة بشكلٍ حاسم على كيفية عودة الاقتصاد العالمي من جديد.