من برلين إلى القاهرة.. ماذا تخبرنا الإنفلونزا الإسبانية عن خطورة كورونا؟

كانت إسبانيا محايدة في الحرب العالمية الأولى، لكن وفي مارس/آذار  1918، سجّلت أول حالة إصابة بالفيروس الذي سيتعارف على تسميته بـ “الحمى الإسبانية”. رصدت الحالة في كنساس، أمريكا، واختار الأمريكان للوباء اسماً أكثر شياكة: “السيدة الإسبانية”. ما علاقة إسبانيا بالأمر إذن؟ الحقيقة أن الوباء انتشر كالنار في الهشيم على ثلاث موجات، الموجة الأولى في ربيع […]

من برلين إلى القاهرة.. ماذا تخبرنا الإنفلونزا الإسبانية عن خطورة كورونا؟
كانت إسبانيا محايدة في الحرب العالمية الأولى، لكن وفي مارس/آذار  1918، سجّلت أول حالة إصابة بالفيروس الذي سيتعارف على تسميته بـ “الحمى الإسبانية”. رصدت الحالة في كنساس، أمريكا، واختار الأمريكان للوباء اسماً أكثر شياكة: “السيدة الإسبانية”. ما علاقة إسبانيا بالأمر إذن؟ الحقيقة أن الوباء انتشر كالنار في الهشيم على ثلاث موجات، الموجة الأولى في ربيع نفس العام، ثم انخفضت الموجة قليلاً، لكنها عاودت الظهور في خريف العام نفسه، ثم هدأت بعض الشيء وسمحت للناس بالخروج. ثم عادت واشتعلت في شتاء نفس العام حتى ربيع العام التالي. وأصابت 40% من سكان العالم. تخيلوا هذا المشهد:  تصاب حالة واحدة في معسكر أمريكي في مدينة كنساس، بوسط غرب أمريكا. وخلال 18 شهراً ينجح الفيروس [في زمن سابق للعولمة] في الوصول إلى كل مكان في العالم، بما في ذلك غرين لاند، وجزر المحيط الهادي حديثة الاكتشاف، ويقتل في الهند فقط 18 مليوناً! الهند التي ما كان ليخطر على بالها قط أن الملايين من شعبها ستموت قريباً بسبب فيروس ظهر على جندي أمريكي في آخر العالم. ما الذي تقوله لنا هذه الصورة المذهلة عن كورونا؟  كل شيء. إسبانيا المحايدة في الحرب كانت هي الدولة الوحيدة التي اشتغلت صحافتها على مسألة الفيروس، تابعت حركته وخسائر البشرية أمامه، رصدته كل وسائل الإعلام هناك، لمحته وهو يخرج من أرض ويدخل في الأخرى، وكان العالم كله ينتظر ما ستقوله الصحافة الإسبانية حول الفيروس. من هنا، كما يعتقد أفضل المؤرخين، أخذ الوباء اسم الحمى الإسبانية. فقد اعتقد الناس أن الأسبان هم من جاؤوا بالفيروس، خاصة بعد إعلان الصحافة إصابة ملك البلاد ألفونسو الثالث عشر. أطراف الحرب العالمية منعت كتابة أي خبر عن الفيروس حتى لا تؤثر الأخبار على سير المعركة، على معنويات الجيش والشعب، وعلى القدرة على الاستدعاء. دفن المعلومات، إخفاء الحقيقة، التضحية بالحياة لأجل الحرب هو ما فتح باب الجحيم. مات في تلك الجائحة 2.5% من سكان الكوكب! نعود الآن لنرتكب الأخطاء نفسها، ونهلك أنفسنا بذات الخطيئة: إخفاء الحقيقة. على سبيل المثال: تلتقط الآلة الإعلامية الروسية صوراً لشاحنات مساعدات طبية ذاهبة إلى إيطاليا، كما لو أنها إمبراطورية قد وضعت كل شيء في قبضتها. في العاشر من هذا الشهر، بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية وباء كورونا [كوفيد-19] وباء عالمياً، قالت روسيا إنه لا وجود للفيروس في أراضيها، وإن هناك بضعة نفر أصيبوا به في إيطاليا وهم الآن في الحجر. تعيش روسيا في حالة تحفز مستمرة، تخوض حرباً من جانب واحد ضد كل طاحونة، وها هي الآن تواجه مأزقاً حرجاً. الفيروس يتفشى في موسكو، هناك حيث يعيش 12 مليون نسمة في 2500 كيلومتر مربع، في أكبر مساحة مزدحمة في أوروبا. علمتنا لومباردي أن الأشياء قد تتغير خلال بضعة ساعات [تحول المرض إلى وباء خلال 72 ساعة]. ستتوقف روسيا عن عد خسائرها كما فعلت إيران والصين، وستقبل هذه المعادلة: ستحدث خسارات جسيمة داخل الطبقة المسنة في المجتمع، وعلينا أن نتعايش مع ذلك، وأن نكتم الأخبار.. في عملية حساب استراتيجية على طريقة إمبرياليات الزمن القديم! صدمة السايتوكاينس قال طبيب عناية مركزة إيطالي لمجلة Economist، في تسجيل مصور:  “لا تحتقروا هذا المرض ولا تسيئوا تقديره، أنا طبيب عناية مركزة، عليكم أن تفهموا هذا: منذ عشرين يوماً لم نفطم أحداً من جهاز التنفس. من يوضع على جهاز التنفس في هذا المرض فسيبقى كذلك لأسابيع طويلة، وإذا كان لديك أجهزة معدودة فإن من يصل أولاً سيحصل على ما يحتاجه، وسيموت الآخرون”.  علمياً، وبحسب البيانات التي بحوزتنا الآن [بيانات جديدة قدمتها جامعة هايدلبيرغ، على سبيل المثال]: يحدث الانهيار الشامل للجهاز التنفسي خلال ساعات قليلة، غالباً بعد طور من الاستقرار الخادع يأخذ أياماً. ثمة فرضية تحاول شرح ما يجري اسمها “صدمة السايتوكاينس”، وهي آليات مناعية تتسبب في تخريب الرئة أثناء المعركة ضد الفيروس. تحدث الصدمة خلال وقت قصير نسبياً. ما نسميه بـ “إيه آر دي إس”، وهي الصورة الأكثر مأساوية لمرض كوفيد 19، هي مرحلة خطرة جداً، ونعلم من معارفنا السابقة أن واحداً من كل ثلاثة يمكن استعادته من هذه المرحلة! إذا كان لديك تدفق في المرضى أعلى من إمكاناتك الطبية، وهو ما يمكن أن يكون عليه الحال في أغلب دول ومدن العالم، فإن الناس ستموت في غرف الانتظار كما يحدث في نيويورك. من ألمانيا إلى مومباي جانب من الصورة في ألمانيا، النسبة المنخفضة للوفيات، والمخاطر الممكنة. توقع بروفيسور فيلر، رئيس معهد روبرت كوخ، في حديثه إلى “فرانكفورت ألغيماينه” أن تقترب ألمانيا من المشهد الإيطالي. قال إن كل الاحتمالات ممكنة، وإن ألمانيا ليست محصنة ضد المأزق. يجب نعرف هذا عن ألمانيا: يعيش قرابة 17 مليون مواطن ألماني وحيدين، كما يوجد حوالي 11 ألف دار للعجزة. انتشار المرض حدث داخل الطبقة النشطة، متوسط عمر الإصابة 45 عاماً. بسبب شكل الحياة الاجتماعية في ألمانيا، المسافات بين الأجيال، والعزلة التي يعيشها خُمس المجتمع، بقيت الجماعات الأكثر هشاشة خارج دائرة الفيروس ونشاطه. الصورة في إيطاليا وإسبانيا بخلاف ذلك. في مدينة فولفسبورغ نقل أحدهم الفيروس إلى دار للمسنين وخلال أيام قليلة مات ثمانية من 26 إصابة حدثت [30%]. هذه المجموعة الهشة معزولة عملياً حتى في الأيام العادية. إذا ما تمكن الوباء من الوصول إليها فإن ألمانيا ستدخل في مأزق رهيب، وسنشهد نسبة وفيات أعلى من الرقم الخادع الذي نشاهده حالياً. في العالم الثالث، لنأخذ مثالين: بومباي والقاهرة. في هاتين المدينتين المكتظتين بالسكان تعيش نسبة عالية من الناس على الكسب اليومي. قالت مجموعة من عمال اليومية للنسخة الهندية من “بي بي سي” إنهم على استعداد لأن يقتلهم الفيروس في الشوارع عن أن يموتوا جوعاً مع أسرهم في البيوت. تفكر الهند، وقد بدأت فعلياً، بعمل مطاعم عملاقة في المدن المكتظة وإطعام الناس داخل منظومة من التباعد الاجتماعي والحماية. القاهرة لا تقدم حتى الآن أي مشاريع استراتيجية على هذا المستوى، ولا أي خطة بديلة ذات طبيعة استراتيجية. ماذا لو كنا لا نزال في المرحلة التحضيرية من الوباء، أو في “الهدوء الذي يسبق العاصفة” كما يتوقع كثر. قلت لكم أعلاه إن الحمى الإسبانية دخلت في ثلاثة أطوار، بفترات هدوء ومناورة، حتى وصلت إلى 40% من سكان الكوكب! معلومة نحب سماعها ربما يريد بعضكم قراءة هذه المعلومة، كما أتوقع: منذ سبتمبر/أيلول 2019 وحتى فبراير/شباط 2020 [أربعة أشهر] أصابت الإنفلونزا الموسمية قرابة 36 مليون أمريكي، وقتلت 22 ألفاً. لكن ثمة فرقاً على كل المستويات بين كورونا والإنفلونزا الموسمية، ومع ذلك فقد تمكنت الأخيرة من حصد حياة الآلاف خلال وقت قصير. ماذا سيحدث لو أن كورونا توغل في البلدان المكتظة بالسكان، مثل عواصم العالم الثالث: صنعاء، دمشق، عمان، القاهرة، بغداد؟ قبل يومين خرج “المؤمنون” لأداء صلاة الجمعة في عدد كبير من المدن العربية. وكالعادة كانت نسبة كبيرة من الخارجين من كبار السن، ممن لا يؤمنون بهذه الترهات التي نرددها، ومن نعتقد نحن أنهم أكثر هشاشة أمام مثل هذا التحدي. لا أريد أن أتورط في التنجيم ولا في إثارة الرعب. تقول البيانات إن 50% لا يعانون من أي أعراض، وإن 30% يعانون من أعراض خفيفة، وإن 20% تتنوع مشاكلهم من أعراض شديدة إلى أعراض حرجة. ولكن علينا أن لا ننسى: الفيروس لا يصيب مائة شخص فقط. كما أن مليون إصابة، فيما لو لم يتخذ الناس الإجراءات، ستضعنا أمام 200 ألف حالة بحاجة إلى مساعدة طبية ماسة. لا توجد مدينة على ظهر الكوكب قادرة على تقديم رعاية طبية عاجلة وكفؤة لـ200 ألف مريض خلال أسبوعين! رغم كل شيء أنا متفائل. نمو الفيروس يتباطأ كثيراً بصرف النظر عن الأرقام المُطْلقة. وقد استطاعت دولة مثل سنغافورة أن تناور مع الفيروس وتسجل نتائج جيدة دون أن تضطر إلى إيقاف الحياة. كل ما فعلته أنها غيرت نظام الحياة الجماعية بالصرامة والغرامة [7 آلاف دولار غرامة على كل شخص يقترب من جسدك مسافة أقل من متر]، وبالتعليمات المستمرة. كونوا بخير.. ودمتم سالمين.  طبيب وروائي وكاتب من اليمن، يعيش في ألمانيا. مهتم بقضايا الديموقراطية والثورة. أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net