من الحارة الشعبية إلى الساحل الشمالي.. كيف يتاجر مطربو المهرجانات في مصر بقضايا المهمَّشين والطبقات الكادحة؟

 شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وعدة برامج تلفزيونية الصراع الكلامي والقانوني الدائر منذ بداية العام الحالي بين نقابة المهن الموسيقية وبين مطربي/ مؤدّي المهرجانات الشعبية، تريد النقابة حوكمة “الشلّة الغنائية” الصاعدة وإنتاجهم بِحُجج كثيرة، أهمها أنهم ليسوا أعضاءً بالنقابة، كما أن أغانيهم تحتوي على كلمات خادشة أو غير لائقة للسماع من قبل الأسر المصرية، ويَرد مُطربو […]

من الحارة الشعبية إلى الساحل الشمالي.. كيف يتاجر مطربو المهرجانات في مصر بقضايا المهمَّشين والطبقات الكادحة؟

 شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وعدة برامج تلفزيونية الصراع الكلامي والقانوني الدائر منذ بداية العام الحالي بين نقابة المهن الموسيقية وبين مطربي/ مؤدّي المهرجانات الشعبية، تريد النقابة حوكمة “الشلّة الغنائية” الصاعدة وإنتاجهم بِحُجج كثيرة، أهمها أنهم ليسوا أعضاءً بالنقابة، كما أن أغانيهم تحتوي على كلمات خادشة أو غير لائقة للسماع من قبل الأسر المصرية، ويَرد مُطربو المهرجانات، وأشهرهم الثلاثي حسن شاكوش وحمو بيكا وعمر كمال بأنهم يعبّرون عن الشارع المصري، لاسيما المهمّشين وقضاياهم، فضلاً عن أنهم يمتلكون جمهوراً واسعاً، والدلالة على ذلك نسب مشاهداتهم على منصات السماع كيوتيوب وساوند كلاود التي تقدر بمئات الملايين، أيضاً طلبهم للحفلات بشكلٍ دائم من قبل مُنظمي الحفلات، سواء العامة أو الخاصة، من حينٍ لآخر. 

لا يكفّ مُطربو المهرجانات عن ترديد إجاباتهم، والتي تُؤكد أن غناءهم من أجل الفئات المهمّشة، يعبرون عن صوتهم الغائب لدى الدولة والمجتمع، يروون قصص حياتهم الذاتية واليوميّة ومعاناتهم، فهل يعبرون فعلاً عن معاناتهم أم يرددون شعارات بلا واقع حقيقي، كما أنهم أصبحوا أصواتاً لدى رأسمالية الشركات والنخبة النيوليبرالية، يغنون ويرقصون معهم في حفلاتهم وأعياد ميلادهم وشواطئهم الصيفية، فَكيف يتاجر مطربو المهرجانات بقضايا المهمّشين؟

المهرجان والسلطة

في فبراير/شباط الماضي، أعلن نقيب الموسيقيين هاني شاكر في بيان له، منع مُغنّي المهرجانات الشعبية من الغناء في الحفلات العامة والخاصة أيضاً، المتمثلة في الملاهي الليلية والبواخر والأفراح وغيرها من الأماكن، وذلك بسبب كلمات “خمور وحشيش”، ضمن أغنية “بنت الجيران” لعمر كمال وحسن شاكوش، أثناء تأديتهما لحفلة عيد الحب باستاد القاهرة. هزّ البيان الوسط الإعلامي الرسمي وغير الرسمي، واستُضيفَ الفنان هاني شاكر للتوضيح أكثر، ومن الجهة الأُخرى استضيف مطربو المهرجانات على عدة قنوات تلفزيونية.

كان توضيح شاكر للإعلام كتوضيح الموسيقار حلمي بكر من قبل، المنع بسبب الألفاظ الخادشة للحياء، كما أن هؤلاء المؤدّين ليسوا أعضاءً في النقابة، بينما ردَّ الثلاثي الأشهر للمهرجانات (بيكا وكمال وشاكوش) على هذا القرار ردوداً عاطفية للغاية، تتحدث عن الالتزامات المالية لديهم، والشروط الجزائية مع متعهدي الحفلات، فضلاً عن الملاحقات الأمنية بسبب المحاضر التي سُجلت عليهما بواسطة النقابة. 

حيث قال بيكا “أنا بتعالج وعندي مرض بياكل في جدار المعدة، وواخد حقنة تمنها 120 ألف جنيه، الناس شايفين هيكل من برة بس ميعرفوش كل واحد عنده إيه”، ووالدة بيكا تدخلت وقالت في حديث معها “إنها اتصلت هاتفياً بالفنان هاني شاكر، وتأسفت له، وطلبت منه مسامحة ابنها”.

 وقال عمر كمال “مطلوب مني كل يوم الصبح دلوقتي أصلي ركعتين، وأدفع 40 ألف جنيه شروطاً جزائية للناس، رغم أني مطرب بقالي 4 سنين، ولم تكن لي أي مشكلة”.

 وعبّر شاكوش عن حالته المادية السيئة أيضاً قائلاً “اللي انت متعرفوش إن والدتي تعبانة، ووالدي متوفّى، وباصرف على والدتي وأهلي وأخواتي، وأنا اللي شايل أخواتي كلهم، ومحدش عارف حاجة ومحدش حاسس باللي أنا فيه، أنا كانت أمنية حياتي وأنا لعيب كورة إني أقف وسط الجمهور ده، وربنا ما أردش واتظلمت واتبهدلت في الكورة، وأنا حسيت الإحساس ده في الحفلة، ومن كتر الفرحة كنت هعيط، وأنا بعد الحفلة ما خلصت والدتي كانت بتكلمني، وبتعيط”.

أثارت مداخلات بيكا وشاكوش وكمال التعاطف لدى الكثيرين ضد ما سمّوه تدخلاً، وحوكمة النقابة الأبوية على الفن الشعبي، والتصيّد لمطربي المهرجانات لأنهم من جذور شعبية مهمّشة، ولا ينتمون إلى النخبة، وإن كان هذا صحيحاً من زاويةٍ ما، إلا أن الأزمات المالية التي تحدّث عنها الثلاثي غير واقعية، حيث تقول الأرقام إن حسن شاكوش يربح من موقع يوتيوب فقط 739,600 دولار أمريكي، بينما بيكا يربح حوالي 1.9 مليون دولار سنوياً، حسب موقع سوشيال بلادي socialblade، فضلاً عن أجور الحفلات المرتفعة الذي تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات، سواء شتوياً في الملاهي الليلة والقاعات المخصصة، أو حتى صيفياً على شواطئ الساحل الشمالي، والحفلات خارج مصر في تونس والأردن والإمارات والسعودية، فضلاً عن شراء السيارات التي تقارب المليون جنيه مصري للسيارة الواحدة، حسب تصريحاتهم، تلك الأرقام المهولة تناقض أسطورة الضيق المالي لشراء العلاج وظروف المعيشة.

أثناء الأزمة وقف الإعلام التابع لجماعة الإخوان المسلمين والمُقيم في تركيا مع مطربي المهرجانات وانتقد النقابة وتسلطها عليهم، ولكن كانت ردود فعل مطربي المهرجانات على الوجوه الإعلامية قاسية وقوية، حيث بثّ عمر كمال وحمو بيكا مقاطع فيديو عبر فيسبوك الخاص بهم، يردّون بها على الإعلامي معتز مطر، مطالبين إياه بألا يستخدمهم كصراع سياسي بينه وبين النظام المصري، واصفينَ إياه بالخائن والكلب والمُمول خارجياً لإسقاط وتخريب بلده، مؤكدين أيضاً على وقوفهم بجانب الرئيس السيسي وجيش وشرطة مصر ضد كل الخونة الموجودين بالخارج لانتقاد النظام المصري.

وخلال يومي انتخابات مجلس الشيوخ المصري، وقف حسن شاكوش أمام إحدى اللجان في حي بولاق الدكرور بالقاهرة، لِيغني وسط حشد من مُستمعيه كما هو معروف عند أي عرس انتخابي في مصر مؤخراً، حيث تُشغّل مكبرات الصوت الأغاني الوطنية وغير الوطنية، لحثّ الناس على التجمع والانتخاب. أيضاً تواجد مشجع نادي الاتحاد، الإسكندراني عادل شكل، وهو مؤخراً مطرب مهرجانات في إحدى الدوائر الانتخابية.

فبالنظر إلى حوكمة الدولة الصاعدة تجاه فن المهرجانات بتقييده أو منعه في أماكن عامة وخاصة بإطلاق القوانين اللازمة بيد نقابة المهن الموسيقية لتفعيل تلك الحوكمة، إلا أنها تستخدم شعبية هؤلاء المُطربين في حشد شرائح شعبية، لاسيما صغار السن لتأييد السلطة في مصر، ومن الجهة الأُخرى لا يغفل أي من مطربي المهرجانات عن استغلال تلك الفرصة في بثّ فيديوهات أو حتى أغان شعبية لتأييد السلطة في مصر وشتم معارضيها، والحث على الوقوف بجانب السلطة وقياداتها في مصر. فهؤلاء لا يتقاعسون في التودد إلى السلطة السياسية العليا، لتكون بعد ذلك ساحة الصراع بين جيل المهرجانات الصاعد والنخبة الفنية الكلاسيكية، كسلطة مهنية صغيرة متمثلة في قيادات النقابة والموسيقى في مصر مثل هاني شاكر وحلمي بكر.

مُهمّشون ولكن رأسماليون

  في مصر، مع بدء دخول فصل الصيف تهرب الطبقات فوق الوسطى والأغنى منها برفقة النخب الفنية إلى مصايف الساحل الشمالي ودهب وشرم الشيخ والغردقة، وغيرها من الأماكن السياحية الساحلية في مصر، ليبتعدوا عن حرّ وضوضاء المدن، حيث ينعمون في ظل الكومباوند والفلل على الشواطئ الرملية أمام البحر مباشرةً، تزايدت مؤخراً تلك الهجرة الصيفية بصحبة مطربي المهرجانات. فمنذ شهريّ مايو/أيار ويونيو/حزيران، ومع استمرار الحظر بسبب فيروس كورونا، إلا أن حمو بيكا وعمر كمال وحسن شاكوش كانوا حاضرين هناك، ليقول حمو بيكا جملته الشهيرة عن كورونا “أنها هتنتهي يوم السبت” التي استخدمها صانعو الميمز والكوميكس كمادة خام في صناعة محتواهم.

بعد ذلك انتشرت صور ومقاطع فيديو حفلات الساحل على الشواطئ صباحاً ومساءً، وسط حشد كبير من الجمهور، غاضّين البصر عن تعليمات التباعد الاجتماعي الموجودة في مصر، فضلاً عن صخب الحفلات خارج مصر في تونس والإمارات، سواء حفلات عامة يحضرها من يشاء، أو حيز المجال الخاص لأصحاب الفنادق والمطاعم والملاهي الليلية في دبي مؤخراً، وعبر متابعة صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بمطربي المهرجانات نجدهم يبثون من حمامات السباحة داخل حيزهم الخاص في مَصايفهم، أو في حفل صاخب على الشاطئ، أو حتى خارج مصر في الفنادق الراقية، هذه هي حياتهم حالياً، صعود اقتصادي سريع، والتصاق شديد بالطبقة الرأسمالية في مصر.

من الطبيعي جداً أن تكونَ كلمات المهرجانات تعبر عن واقع الشباب المهمّش، وعن قصصهم الشخصية في أحيائهم الشعبية المهمّشة من قبل المجتمع والدولة، هذا ليس اختراع مطربي المهرجانات الحاليين (بيكا وشاكوش وكمال)، فمنذ البداية خرجت المهرجانات من منطقة السلام. كلمات شعبية تعبر عن قصص الحيّ والحارة والزقاق، مع موسيقى ذات صخب عال تعالج بواسطة الـauto tun، وعرفت بعد ذلك بالإلكترو شعبي. أبرز نجومها السادات وفيفتي وعمرو حاحا وأوكا وأورتيجا. بعد ذلك توسع المجال وانخرط بعض النجوم مع صانعي السينما ونجوم الفنّ، ليركبوا بدورهم عجلة الصعود نحو الحياة الراقية، بعيداً عن الصخب الشعبي الذي بدأوا منه.

نفس ما حدث سابقاً يحدث الآن بشأن ذلك الصعود، ولكن بشكلٍ مضاعف، مع التفشي الرهيب لإعلانات الشركات والحفلات، لاسيما حفلات الملكية الخاصة كأعيادِ الميلاد وحفلات الخطوبة والزفاف والملاهي الليلية والمطاعم، التي بدأت في استدعاء مطربي المهرجانات لإحياء سهراتها، مع وجود ساحات العرض السهلة للجمهور عبر فيسبوك وتويتر وإنستغرام.

 لا شك أن الطبقات الاجتماعية في تصدّع مستمر، وهبوط وصعود مستمر، فَالصعود والترقي الآن لا يعتمد على وجهة تعليمية معينة كَدخول كليات الجيش أو الشرطة أو الطيران، والانخراط في الأسلاك الدبلوماسية العُليا على المستوى السياسي والاقتصادي كما كان يحدث سابقاً ومازال، بل لو امتلكت هاتفاً ذكياً وبدأت في تقديم أي محتوى، سواء ارتقى هذا المحتوى للمعايير الفنية أو لم يرتقِ، فبمجرد رواج هذا المحتوى لشريحة معيّنة من الناس، تبدأ التطبيقات مثل فيسبوك ويوتيوب وتيك توك في عرض إعلانات الشركات على القناة أو الحساب الخاص بك، ومن ثمّ ربح الأموال.

لا ينبغي الآن النظر مجتمعياً إلى مطربي المهرجانات الشعبية أنهم يعبرون عن معاناة المهمّشين وقصصهم، القصص من الأساس مُكرّرة منذ بدء التعبير عن الواقع الشعبي والمهمّش، ولكنّها مُكررة بنغماتٍ وألحان مُختلفة، أيضاً هم انتقلوا من العيش ضمن المهمّشين إلى العمالة المكثفة في الحيز العام والخاص للرأسمالية، وذلك لجني الأموال، فلو كانت الكلمات والألحان يريدونها أن تكون للمهمّشين فَليغنوها في الحارات كما بدأت، غاضين البصر عن الأموال والمصايف والحفلات والأبراج. 

أما عن علاقة السلطة ومطربي المهرجانات ببعضهم البعض، فالسلطة تريد الحوكمة وتوسيع الرقابة والعمل في إطار المسموح وفقاً لرؤيتها الأخلاقية والسياسية، ومن ناحية أخرى يتودد مطربو المهرجانات للسلطة، ولا يتقاعسون عن تأييدها المطلق، غير مدركين من الأساس أنها سلطة تظلم المهمّشين التي تتغنى كلماتهم عن معاناتهم.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net