محطّة قمة النضج

لا فائدة من أي جدلٍ يأتي إليه كل طرف، وهو مصمّم على هزيمة الطرف الآخر وحسب. أتوقف في أولى محطّات الجدل، فأغادر القطار المزدحم بمن معي ومن ضدّي في ذلك الجدل، ملوحة للجميع بتحية الوداع!

محطّة قمة النضج

هل نضجتُ أخيرا؟ لا أدري، لكنني فكّرت بالوصول إلى إجابة عن هذا السؤال الذي لم يشغلني كثيرا، لولا عبارة صادفتها في أروقة "تويتر"، منسوبة إلى نجيب محفوظ، "عندما تتحوّل فجأة إلى شخصٍ لا يُعاتب أحدًا، يتجنّب المُناقشات التي لا جدوى منها، ينظر إلى الراحلين عنه بهدوء، ويستقبل الصدمات بصمتٍ مريب، فاعلم أنك بلغت أقصى مراحل النضج".

وعلى الرغم من أن تلك العبارة تشبه عبارات نجيب محفوظ وحكمته التي تقطّرت في سنواته الأخيرة تحديدا، إلا أنني لست متأكّدة أنه قالها أو كتبها، فما أكثر العبارات المنسوبة للكتّاب في وسائل التواصل الاجتماعي زورا. لكن لا أظن أن شيخ الروائيين العرب سيمانع أن تنسب تلك العبارة له لو قدّر له أن يقرأها، فهي مما تفسّر اتجاهاته الفكرية والسياسية طوال حياته، وتلقي بعض الضوء على طريقة تعامله مع الآخرين حوله من الأصدقاء ومن الأعداء، وأيضا من أولئك الذين يصعب تصنيفهم في أيٍّ من الوجهتين.. وما أكثرهم في حياتنا!

عندما انتهيتُ من قراءة العبارة، عدت لأحاول معرفة ما أنا فيه من المراحل على ضوئها، فاكتشفت أنني وصلت إلى تلك المرحلة الأخيرة من النضج فعلا. نعم.. لم أعد أعاتب أحدا على أي ذنبٍ أو خطأ أو خطيئةٍ أرى أنه ارتكبه بحقي، فقد أصبحت مقتنعةً بأن العتاب حالة من الاستجداء العاطفي، لا تليق بالعلاقات الصحية بين الناس. الأفضل منها التجاهل نحو المضي بالعلاقة ما دمت مقتنعة باستمرارها، وأن ما حدث لا يعدو عن كونه مجرد خطأ عابر يسهل تجاوزه، أو التجاهل مع قطع العلاقة فورا، ما دمت قد اقتنعت تماما بأن لا فائدة من الاستمرار في علاقةٍ تتراكم فيها الأخطاء، حتى تصل هذه إلى مرحلة الخطايا. في تلك الحالة، أقطع العلاقة فورا بهدو وطمأنينة ورضا وسلام بلا أسف ولا وجع رأس، مكتفية بما مضى منها من ذكرياتٍ إيجابيةٍ وجميلة، مع محاولة نسيان الذكريات السلبية السيئة، فما تبقى من مساحة ذاكرتي لا يتسع لها.

نعم.. لم أعد أطيق المناقشات، أرى أنها لا تؤدّي إلا إلى مزيدٍ من المناقشات اللانهائية. أحتفظ بحججي وأمثلتي التوضيحية، حتى وأنا متأكدة أنها ستحسم أي جدل حقيقي، لأنني أعرف أن لا فائدة من أي جدلٍ يأتي إليه كل طرف، وهو مصمّم على هزيمة الطرف الآخر وحسب. أتوقف في أولى محطّات الجدل، فأغادر القطار المزدحم بمن معي ومن ضدّي في ذلك الجدل، ملوحة للجميع بتحية الوداع!

نعم .. أصبحت أنظر إلى الراحلين عني بهدوء. أنظر إليهم وهم يغادرون وكأنهم شخصياتٌ في مشهد سينمائي. أتمنّى لهم الخير إن سمحت لي نفسي المطمئنة بذلك، مستندةً إلى ما أملكه لهم من مواقف جميلة، أو أتحاشى كل الأمنيات إن كانت تلك المواقف لا تعينني على طيب الأمنيات! مع السلامة وكفى.

نعم.. أصبحت أستقبل الصدمات بصمتٍ مريب، بلا شهقات ألم ولا دموع حزن. تبلّدت مشاعري، فأصبحت أحزاني لا تكاد تعبر عن نفسها بأي مظاهر قد يرصُدها الأخرون حولي. تكسّرت النصال على النصال في قرارة نفسي، فتآلفت معها على النحو الذي لم تعد تسبّب لي إلا ذلك النوع من الحزن الخفي المستقر في قاع الروح إلى الأبد، بلا نزيف ولا وجع ظاهر. لا أدّعي أنني لم أعد أشعر بالوجع نهائيا، فما زلت أعيش وخزاتٍ تفاجئ سكينتي مرّات ومرّات، لكنني صرت أجيد التعامل معها بمزيد من المران على التجاهل التام. وعلى أي حال، أنا الآن مطمئنة أنني في الطريق إلى تلك المرحلة خلال سنوات قليلة إنْ قدّر لي أن أعيشها.

هل، بعد كل هذا وصلت، وفقا لعبارة نجيب محفوظ المفترضة، إلى قمة النضج؟ ربما، وإن كنت أظن أن من تمام النضج ألا يعنيك البحث عن إجابةٍ لمثل هذا السؤال أصلا.