كورونا وتأملاتي الجديدة في معنى الحرية

تُسائلني ما الحرية؟! وتنظر إليّ بعينين حالمتين، بحياة يملأها الحب، وبريق أخّاذ يُنبئ عمّا يحمله القلب من كثرة الأمل، فتاتي من أنت؟! قالت أنا أنت، أنا الخير منك، والحسن إن أردت، فلتسمع مني قصتك، ولا تخبر أحداً عن سرك. سيقول البعض لقد حانت النهاية، فهل يجدي الآن الحديث والبحث عن الحرية والعالم ينتهي، هل مازال […]

كورونا وتأملاتي الجديدة في معنى الحرية
تُسائلني ما الحرية؟! وتنظر إليّ بعينين حالمتين، بحياة يملأها الحب، وبريق أخّاذ يُنبئ عمّا يحمله القلب من كثرة الأمل، فتاتي من أنت؟! قالت أنا أنت، أنا الخير منك، والحسن إن أردت، فلتسمع مني قصتك، ولا تخبر أحداً عن سرك. سيقول البعض لقد حانت النهاية، فهل يجدي الآن الحديث والبحث عن الحرية والعالم ينتهي، هل مازال هناك مكان لذكر تلك الكلمة “الأمل”؟! بلى، بل قُل قد حان وقتها الآن، فبين الخوف من النهاية والأمل في الحياة تنبثق حرية البشر. فاليوم إذاً ستظهر تلك الأنفس الحُرة، التي تتنفس الحرية في كل دروبها، وتنشد وتسعى للحرية الحقة. أنظر إليه، ذلك الذي يمكن أن ينكّل بي بكل ما يُمكن دون رادع، لن يستطيع أحد منعَه أو حمايتي، لقد تمكن مني حدّ النخاع، وأنا الفتاة الضعيفة، لا سبيل لدي للدفاع عن نفسي، أكثر ما أدهشني هو سؤاله: كيف لا تخشين مني؟! (إنتي ازاي مش خايفة)، اتسعت حدقتا عينيّ لينتقل عقلي من التفكير في كمّ بُغضي وكرهي له لتنكشف الغشاوة عن قلبي، فصدقاً قال وهو الكذوب، لم يحمل قلبي مثقال ذرة من خوف أو شعور حتى بالرهبة منه، لقد علم بالأمر، وأفصحت العين عما حوى القلب، كانت عيناي خاويتين تماماً من الخوف، تحملان فقط كرهاً يفيض، وإيماناً بوعد الله، هنالك فقط علمت الحرية! فخلف هذه الجُدُر الأربعة، وأمام ذلك السجان المرعب علمتها، وأدركت ما هو القلب الحر، فإن القلب الحر هو الذي فكّ أغلال الخوف، فما عاد يخشى البشر ولا الحجر، ليس مقيداً بالخوف من نظام ظالم فيكبل ذلك الخوف حركته وأفعاله، أفكاره ومعتقداته، بإمكانه أن يفعل أي شيء فهو لا يخشى شيئاً، أجل كان هذا هو المعنى الأول للحرية بالنسبة لي، فالخوف والحرية متضادان، يعرفان عن بعضهما ولا يجتمعان في قلب واحد! يقول “آيزايا برلين” في كتابه (حدود الحرية) “إنني أعد الحرية فقدان الموانع من طريق يحقق آمال الإنسان وأمنياته”. ها أنا ذا أقولها لأول مرة “أحبك” ليدفعني قولها للتساؤل: هل هناك حب حر؟! أن تحب بحرية؟! نعم، فحينما تشعر أنك تريد إخبار الحبيب عن كل شيء عنك، خيره وشره، لا تخشى أن تخبره، وليس لديك شيء تخفيه عنه، تريده أن يعرفك تماماً كما أنت، لا مجملاً ومنمقاً بمظهر ليس منك في شيء، يتلمس في عيوبك الجمال، ويسعى لنظرة الرضا في عينيك، تريده أن يعرف ماضيك الذي جعلك أنت، وأن يشاركك حاضرك لكي تنسجاه معاً، وتنظر إلى المستقبل لتجده يبتسم لك، فاعلم إذاً أنك تحبه بحرية، أنت فقط تحبه حباً حراً. ها أنا أنظر إليه ثانية بعد مرور سنوات لم أعد أحصيها، لكن هذه المرة بعينين فارغتين تماماً، لا بُغض، لا كره، لا شيء… فكيف تعفو إذاً تلك العين التي كانت تستكثر أنفاسه في هذه الحياة؟! وهل حقاً قد عفوت أو صفحت أو سامحت، أم أنني فقط تخطيت الأمر، لا يؤكد لي عقلي، لكن يؤكد لي قلبي أن القلب الذي يستطيع العفو عند المقدرة هو قلب حر، فلقد أدرك أن ذلك الأمر الإلهي “العدل” هو من أسمى أوامر الله في خلقه، وإن لم يُهدَ إليّ فلستُ أهلاً له (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ). فإن كان من عنده يكون ذلك إقراراً بعدم أهليتنا له، إذاً يبقى الأكيد أنني تركته له، وهو خير كافٍ به، وحين يتحرر القلب من أغلال الانتقام والكره يتنفس الحرية ويبتسم ابتسامة المنتصر، لأنه يؤمن أن حقه مردود، وأن العدل الإلهي نافذ لا محاله. الإنسان جُبل على الحرية والبحث عنها، تلك فطرته الأولى ونسكه الأخير، ففي أزمة كورونا تلك رأيتني أتعرّف على مَهَل على ذلك القلب الحر، كان يبتسم كأنه ليس لديه شيء يخسره، لا يخشى المرض ولا الفقر والجوع، لا يخشى حتى الفقد، وهو العارف بمرارته، ليس لقلة أحبابه أو كثرة ماله، ولا لأن قلبه قد أصابه الصدأ فلم يعد يشعر بشيء، بل لأنه قلب حي حر، حي بحرية، أدرك الغاية فاهتدى السبيل، أدرك أن الكل إلى زوال، وأن الحرية الحقّة هي في تلك الأخرى، فتذكر هدفه الأسمى والأنقى، الأول والأخير، وزادته المحنه تمسكاً به، فيكفيه أن يموت ساعياً بطريقه. فهذا القلب لا يسعى إلى دنيا يطلبها، وما أراد فيها من أمر إلا لوجه، قل إني لامست الحرية في إنسان يحيا في كنف الله، يسعى في نوره، لامستها في (كنتُ سمعه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يمشي بها)، فأي إنسان حر قوي كهذا. إنه فقط قلب حر متعلق بالمحاولة على طريق الله، لا يخشى النهايات، ولا يعبأ للبدايات، فقط سيُحاول، لا بأس إن لم يصل لتمام الأمر في هذه الدنيا، المهم أنه سيطير، أوليس ذاك إذاً قلباً حراً كالعصافير.  أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net