كورونا والإيدز وتشيرنوبل.. كيف دمرت العولمة عالمنا؟

لقد وصل أخيراً فيروس كورونا (كوفيد-19) إلى تركيا، بعد أن بدأ في مدينة ووهان الصينية، لينتشر في بلاد العالم بشكل سريع. وأصبح على تركيا الآن التعامل مع الفيروس عن قرب، بعدما فقدت رفاهية مراقبته عن بعد كالسابق. ولا شك أيضاً أن أولئك الذين كانوا مهووسين بموعد وصول كورونا إلى تركيا ويتساءلون عن سبب بُعده عنها […]

كورونا والإيدز وتشيرنوبل.. كيف دمرت العولمة عالمنا؟
لقد وصل أخيراً فيروس كورونا (كوفيد-19) إلى تركيا، بعد أن بدأ في مدينة ووهان الصينية، لينتشر في بلاد العالم بشكل سريع. وأصبح على تركيا الآن التعامل مع الفيروس عن قرب، بعدما فقدت رفاهية مراقبته عن بعد كالسابق. ولا شك أيضاً أن أولئك الذين كانوا مهووسين بموعد وصول كورونا إلى تركيا ويتساءلون عن سبب بُعده عنها بينما ضرب كل مكان؛ يشعرون الآن بالراحة. ويعود الفضل في تأخر دخول كورونا إلى الأراضي التركية في الحقيقة إلى التدابير الاستثنائية والفعالة التي اتخذتها وزارة الصحة التركية، بغض النظر عما يقوله هذا أو ذاك. ومن الممكن القول إن قضية كورونا أظهرت قوة وقدرة النظام الصحي الذي وضعت تركيا أساسه قبل 18 عاماً، حيث كان ذلك اختباراً حقيقياً له، كما أظهرت بدورها الفارق بين تركيا وبين دول العالم المتقدمة وغير المتقدمة. إن التدابير التي تم الإعلان عنها عقب اجتماع تم في المجمع الرئاسي في أنقرة، برئاسة أردوغان، أظهرت بوضوح كيف أن فيروس كورونا بات يؤثر على مجريات حياتنا. إن فيروس كورونا وانتشاره في الواقع بدأ يلفت انتباهنا لبديهيات كانت عادات بالنسبة لنا خلال الحياة العصرية التي نعيشها، ربما لم نكن ننتبه لها أو لم نكن نراها وندركها. بقدر ما قدّمته العولمة للبشرية من تراكم معلوماتي، وسهولة التداول بأنواعه، وسرعة رهيبة في الاتصال والمواصلات؛ بقدر ما أظهرت لنا مدى عجز الإنسان عن المخاطر التي تشكلها تلك الأشياء. في الواقع، إن الإمكانات والتسهيلات التي قدمتها العولمة تسهم بطريقة ما في ازدياد هذا الخطر. إن السرعة الرهيبة لانتشار هذا الفيروس الذي بدأ في مدينة صينية، ومن ثم جاب كل أنحاء العالم خلال مدة قصيرة، من الممكن اعتبار ما وفرته العولمة من سرعة وسهولة في المواصلات سبباً لذلك. لطالما كانت هذه الدنيا مكاناً مليئاً بالمخاطر والمهالك؛ الزلازل، والعواصف، والسيول، والفيضانات، والكوارث الطبيعية… وعلى مدى التاريخ كان ولا يزال الإنسان يتخذ التدابير لمواجهة هذه المخاطر. لقد حاول الإنسان إنشاء الأبنية المقاومة للزلازل، وعمل على اتخاذ التدابير التي تمنع حدوث موت أو تدمير حال وقوع زلزال ما. بل قد ذهب العمل الإنساني الحديث إلى أبعد من ذلك بقليل، من حيث اتخاذ التدابير ضد الكوارث الطبيعية، التي غالباً ما تظل محصورة داخل المناطق ذاتها. لقد اعتمد الإنسان على تأسيس عالم آمن خالٍ من الزلازل والفيضانات والكوارث الطبيعية دون توقف. كانت أبرز نجاحات هذا العصر هي أبنية لا تتأثر بالزلازل، ومدناً لا تعجزها الفيضانات، وأمراضاً يتم التغلب عليها قبل أن تخرج من حدود المكان المُصاب. كان من المفترض أن العقل العلمي سيكون مكتفياً بذاته في خلق عالم آمن ضمن تسلسل السببية. على الرغم من ذلك استند نظام “التأمين الصحي” على فكرة تم تطويرها من أجل عدم انهيار النظام بأكمله بسبب تعطل قسم منه، أو أن التطورات المحتملة التي ليست في الحسبان لا يمكن أن تؤثر على الهيكل بأكمله، وصولاً إلى حالة يتم فيها ضمان النظام بأكمله وعدم تضرره من شيء ولو كان قابلاً للتطور. في الواقع وكما كان متوقَّعاً، فإن أكثر التطورات التي جعلتنا نشعر بحقيقة العولمة هي الكوارث العابرة للحدود، فضلاً عن سهولة تداول الأموال والبضائع وتنقلها وسهولة الاتصال والتنقل والتحرك. ولهذا السبب كانت كارثة تشيرنوبل والإيدز من أبرز الأمثلة على ذلك. لم يكن تأثير انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي على حدود روسيا فحسب، بل على كل البلدان المحيطة بها، ولسنوات طويلة، وهذا بدوره يُظهر مدى تأثير العولمة من جانب آخر. في السياق ذاته يبدو مرض الإيدز، الذي لم يظل حبيس حدود داخلية في مكان ما، بل سرعان ما انتشر عابراً للحدود حول العالم، وهو ما يُظهر أيضاً المخاطر الكبيرة التي تحويها العولمة. إن الإنسان عبر الأنظمة التي يتفاخر بها فإنه غالباً ما يقع في غفلة عن المخاطر التي قد تحويها الأنظمة ذاتها. إن ما يُقال ويُسطَّر حول تأثير وقوة وعقل وقدرات الإنسان في العالم الذي نعيشه اليوم، يُسدل من جانب آخر الستار على تجاهل حقيقة أن هذا الإنسان عاجز عن مواجهة فيروس، ولذلك فإن فيروس كورونا الذي يأسِر العالم بأكمله شيئاً فشيئاً يُذكِّرنا بموقعنا في هذا العالم. سواء ما يتم إنتاجه في المختبرات أو ما يتم تطويره بشكل طبيعي، فقد أثبت فيروس كورونا حدود الحضارة التي ينتجها الإنسان. فما نوع تلك الثقة التي كان يختزنها ذلك الإنسان، الكائن البشري، حتى يضمن أنه بمأمن حتى من تلك الغيوم بأنها لن تسقط يوماً ما فوق رأسه، أو كيف حاول الاعتماد على الأشخاص الآخرين أو الكائنات، أو قانون الطبيعة، أو أن الجبال لن تقع وتنهار فوق رأسه، أو تنشق الأرض لتبتلعه. أي درس يمكن أن يخبرنا أن الخبز والماء والراحة وأشياء أخرى نعتقد أنها تفضلنا على الفقراء أو اللاجئين أو المساكين الذين يطرقون بيوتنا؟ هي بالأساس ليست عائدة إلينا في الواقع. يمكن أن يكون كورونا فيروساً أنتجه الفاسدون الذين خنقوا العالم بفسادهم، يمكن أن يكون كورونا مصيبة حلّت فوق رؤوسنا بسبب تسلّطهم. على أي حال، إن هذه الكارثة التي لا تميز بين غني وفقير، وغربي وشرقي، وشمالي وجنوبي، وحاكم ومحكوم وأي شخص آخر ربما تكون بمثابة ألف نصيحة للبعض، أو تزيد من ضلالة البعض الآخر. أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net