في تذكُّر الصادق النَّيْهوم

كان الراحل الصادق النيهوم مفكرا إشكاليا لا يتردّد في مساءلة اليقينيات، واستنطاق المسكوت عنه في البنية الثقافية والسياسية العربية، والكشفِ عن دور التقليد في الحيلولة دون تحرّر العقل العربي، حيث طالب بتحرير الإسلام من سلطة الفقهاء ورجال الدين.

في تذكُّر الصادق النَّيْهوم

حلَّت قبل أيام الذكرى السابعة والعشرون لرحيل الكاتب والمفكر الليبي الصادق النَّيْهـوم (1937-1994)، أحد المفكرين الأكثر إثارة للجدل خلال النصف الثاني من القرن المنصرم. وعلى الرغم من جدّة طروحاته، إلا أنه يصعب تصنيفها ضمن تيار فكري بعينه على غرار مفكرين عرب آخرين.

بدأ النَّيْهوم نشاطه الفكري بالكتابة في الصحافة الليبية نهاية الخمسينيات، قبل أن يسافر إلى مصر لاستكمال دراساته العليا في جامعة القاهرة، ومناقشة أطروحته لنيل الدكتوراة في علم الأديان المقارن، غير أن الجامعة رفضتها بدعوى معاداتها الإسلام، ما جعله ينتقل إلى ألمانيا حيث ناقشها في جامعة ميونخ وحصل على الدكتوراة. وللنَّيْهوم مسار أكاديمي حافل، توجه بتدريس علم الأديان المقارن في قسم الدراسات الشرقية في جامعة هلسنكي في فنلندا، ثم لاحقا في جامعة جنيف بسويسرا.

كان النَّيْهوم يجيد، إضافة إلى العربية، الألمانية والفنلندية والإنكليزية والفرنسية، كما كان مُلمًّا بالعبرية والآرامية. وتوزعت انشغالاته بين الصحافة والنشر والترجمة والفكر وعلم الأديان المقارن والقصة والرواية والنقد الأدبي. وقد أسهم بشكل لافت في تنشيط الحياة الثقافية في ليبيا، فأصدر صحفا، وأسس دورَ نشرٍ وأشرف على إصدار موسوعات علمية. وقد مكّنه ذلك من خلفية ثقافية ولغوية متنوعة المشارب، ساعدته على امتلاك القدرة المعرفية والجرأة للاشتباك بأسئلة الفكر العربي وقضاياه الحساسة. وبمرور السنوات، تحول إلى مفكرٍ إشكاليٍّ لا يتردّد في مساءلة اليقينيات، واستنطاق المسكوت عنه في البنية الثقافية والسياسية العربية، والكشفِ عن دور التقليد في الحيلولة دون تحرّر العقل العربي. وفي هذا الصدد، طالب بتحرير الإسلام من سلطة الفقهاء، الذين نجحوا، من وجهة نظره، في ''أسرِ الإسلام'' ورهنه لتفسيراتهم الضيقة التي تغذّي سلطويةَ الدول والمجتمعات. وعليه، فإن إنجاح مشروع التنوير العربي والإسلامي رهين بنقد الفكر الديني، الذي يقف حجر عثرة أمام امتلاك المواطن المسلم حريته وتوظيف عقله في مغالبة المشكلات التي تواجهه. وهو النقد الذي ينبغي أن ينطلق من إنهاء وصاية الفقهاء، باعتبارها من المقومات الأساسية للاستبداد العربي. وفي مسعى إلى إضفاء النسقية على مشروعه، دعا النَّيْهوم إلى إحياء مؤسسة ''الشورى''، من خلال استعادة المسجد دوره الاجتماعي والسياسي، بتحويله من مجرّد ''مكان للصلاة إلى مكان للقاء السياسي''، فيما يحيل إلى أحد أشكال الديمقراطية المباشرة.

أثارت كتابات النَّيْهوم جدلا في الأوساط الثقافية العربية، سيما أنها شذّت عما دأبت الإصلاحية العربية المعاصرة على مطارحته من قضايا، وربما لهذا لم تحظ بمتابعة نقدية وأكاديمية واسعة. لكن ذلك لم يمنع من أن تعرف هذه الكتابات طريقها إلى شرائح واسعة من القرّاء العرب، من خلال الكاتب والناشر السوري الراحل رياض نجيب الريس الذي لعب دورا بارزا في التعريف بالنتاج الفكري للنَّيْهوم، سواء من خلال الاحتفاء بمقالاته في مجلة الناقد اللندنية (1988-1995)، أو بإصدار أهم كتبه، ومنها ''إسلام ضد الإسلام: شريعة من ورق''، و''الإسلام في الأسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة؟''.

من ناحية أخرى، حظي النَّيْهوم بمكانة لافتة لدى العقيد معمر القذافي، إبّان السنوات الأولى التي أعقبت ما كان يسمى بثورة الفاتح (1969)، فأصبح أمين ''لجنة الدعوة والفكر في الاتحاد الاشتراكي''، وقد كان لسجالاته داخلها دورٌ في إشاعة ما تردّد بشأن تأليفه "الكتاب الأخضر" الذي يُنسب للقذافي، وهو الأمر الذي طالما أزعجه، خصوصا بعد أن صار في نظر بعضهم منظر ''ثورة الفاتح'' وأحد أذرعها الفكرية والثقافية. وقد أحدث ذلك سوء فهم بينه وبين مثقفين ومعارضين ليبيين، على الرغم من أن شهر العسل لم يدم طويلا بينه وبين القذافي، سيما بعد أن بدأ نظام الأخير يكشف عن تغوّله السلطوي والأمني منتصف السبعينيات، وهو ما تزامن مع مغادرة النَّيْهوم ليبيا إلى بيروت ثم إلى جنيف.