على مرمى رصاصة.. أكثر من 70 صحافيًّا سرق الاحتلال الإسرائيلي أعمارهم

في صبيحة اليوم الأربعاء 11 مايو (أيار) ارتدت مراسلة قناة الجزيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة شيرين أبو عاقلة (51 عامًا) سترتها الصحفية الواقية من الرصاص وقبعتها كعادتها، وتوجهت رفقة زميلها علي السمودي وفريقها الصحفي لتغطية اقتحام جنود الاحتلال الإسرائيلي لمدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة، لكنها لم تكن تعلم أن أبرز خبر لليوم سيكون خبر استشهادها […]

على مرمى رصاصة.. أكثر من 70 صحافيًّا سرق الاحتلال الإسرائيلي أعمارهم

في صبيحة اليوم الأربعاء 11 مايو (أيار) ارتدت مراسلة قناة الجزيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة شيرين أبو عاقلة (51 عامًا) سترتها الصحفية الواقية من الرصاص وقبعتها كعادتها، وتوجهت رفقة زميلها علي السمودي وفريقها الصحفي لتغطية اقتحام جنود الاحتلال الإسرائيلي لمدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة، لكنها لم تكن تعلم أن أبرز خبر لليوم سيكون خبر استشهادها على يد جيش الاحتلال الاسرائيلي.

لم يكتف جيش الاحتلال باغتيال شيرين أبو عاقلة، وإنما أصاب زميلها الصحافي علي السمودي في الظهر، ليكونا شاهدين على الانتهاكات الإسرائيلية الإجرامية بحق الصحافيين في الأراضي المحتلة.

وثَّقت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية خلال العقدين الماضيين اعتداءات متكررة ومتعمدة ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحافيين الفلسطينيين والأجانب في فلسطين المحتلة. وفقًا لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، فإن عشرات الصحافيين استشهدوا في أثناء تأديتهم لعملهم الصحفي بالأراضي المحتلة ما بين فلسطينيين وأجانب، وفي هذا التقرير نستعرض معًا أسماء بعض أولئك الصحافيين الأبطال، الذي استشهدوا خلال أحداث العقدين الماضيين، وهم يؤدون أعمالهم في نقل الحقيقة.

الانتفاضة الثانية: الرصاص في مواجهة الكاميرا والميكرفون

في سبتمبر (أيلول) عام 2000 اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية للشعب الفلسطيني في وجه دولة الاحتلال، وراح ضحيتها عند انتهائها في عام 2005 ما يزيد على 4400 شهيد وقرابة 50 ألف جريح في فلسطين المحتلة، وكان الوجه الأبرز لتلك الانتفاضة هو الطفل محمد الدرة الذي استشهد بين يدي أبيه بعد أن اغتاله جيش الاحتلال بدم بارد.

Embed from Getty Images

لم يكتف جيش الاحتلال باغتيال المدنيين الفلسطينيين الذين انتفضوا من أجل الحرية، بل استهدف أيضًا الصحافيين الذين بذلوا ما بإمكانهم لنقل حقيقة جرائم الاحتلال في أثناء الانتفاضة إلى العالم. من بين أولئك الصحافيين كان عزيز يوسف التنح (32 عامًا، مدير وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) الذي كان يرتدي سترة الصحافة ببيت لحم حين اغتالته أياديهم الآثمة بعد شهر واحد من اندلاع الانتفاضة بطريقة مماثلة لاستشهاد شيرين أبو عاقلة برصاصة في الرأس.

وفي يوليو (تموز) من عام 2001، استشهد الصحافيان عثمان عبد القادر القطناني (24 عامًا) ومحمد البيشاوي (27 عامًا) بنابلس في أثناء تغطيتهما مؤتمرًا صحافيًّا لقيادة حماس بالمركز الفلسطيني للدراسات والإعلام بعد أن قصفت طائرات الاحتلال، المؤتمر الصحفي.

لم يسلم الصحافيون الأجانب في أثناء الانتفاضة من جرائم الاحتلال أيضًا، إذ استشهد الصحافي الإيطالي المستقل رفاييل تشرييلو برصاصهم في أثناء تأدية عمله برام الله في مارس (آذار) من عام 2002، فيما استشهد الصحافي الويلزي جيمس هنري دومينيك ميلر (34 عامًا) برصاص الاحتلال حين كان يصور فيلمًا وثائقيًّا برفح، ولم يحاكم الجندي الإسرائيلي المسؤول عن الجريمة رغم قيام المحامي العام الإنجليزي في تلك الفترة بتقديم طلب رسمي إلى نظيره في دولة الاحتلال لمحاكمته.

مذبحة غزة الأولى: استهداف الصحافيين للتغطية على جرائم الحرب

كانت مذبحة غزة هي «الحرب» الأولى التي تشنها دولة الاحتلال على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) عام 2008. أسمتها «الرصاص المصبوب»، ولسبب وجيه؛ إذ ضربت دولة الاحتلال عرض الحائط بكل المواثيق والمعاهدات الدولية بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة في الحروب، وارتكبت جرائم ضد الإنسانية باستخدامها قنابل الفسفور الأبيض واليورانيوم المخفف، وفقًا لمراكز حقوقية ومؤسسات أوروبية نقلت عنها وكالة الأناضول التركية، ووصل إجمالي المتفجرات الملقاة على القطاع أكثر من مليون كيلوجرام، أدت إلى استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني وإصابة أكثر من 5400 آخرين.

من بين أولئك الشهداء الصحافيين الفلسطينيين كان باسل إبراهيم فرج (22 عامًا)، وعمر عبد الحافظ السيلاوي (28 عامًا). استشهد باسل بعد قيام المذبحة بنحو 10 أيام متأثرًا بجروح إصابته في اليوم الأول منها، إثر قيام الطائرات الحربية لجيش الاحتلال بقصف المبنى السكني الذي كان به، وعمل مساعد مصور للتلفزيون الجزائري في غزة. أما عمر فقد كان عضوًا بكتائب القسام ومصورًا بقناة الأقصى الفضائية، واستشهد في مسجد الدكتور إبراهيم المقادمة أثناء تأدية عمله بعد قصف جوي لطائرة حربية إسرائيلية.

«أسطول الحرية 1»: رصاصة الرأس القاتلة وسيلة الاحتلال المفضلة

انطلق «أسطول الحرية 1» المكون من مجموعة من المؤسسات غير الحكومية من أوروبا يوم 29 مايو 2010 متجهًا إلى غزة لكسر الحصار الواقع عليها، وحمل على متنه أكثر من 750 ناشطًا ومتضامنًا مع فلسطين موزعين على أربع سفن، من بينها «مافي مرمرة» التركية التي حملت وحدها أكثر من 500 ناشط ومتضامن. وفي فجر يوم 31 من مايو اعتدت فرقة كوماندوز إسرائيلية على السفينة بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع؛ ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى بين الركاب.

أسطول الحرية – المصدر: المونيتور

استشهد الصحافي جودت كيليجلار (38 عامًا)؛ المحرر في هيئة الإغاثة الإنسانية وأحد ركاب سفينة مافي مرمرة برصاصة في الرأس خلال تغطيته للاعتداء الإسرائيلي على السفينة.

حرب غزة الثانية: طائرات حربية وصواريخ تطارد الصحافيين

شنت دولة الاحتلال حربها الثانية على غزة بعد اغتيالها قائد كتائب عز الدين القسام الشهيد أحمد الجعبري في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012، وأسفرت تلك الحرب التي أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية «حجارة السجيل» عن استشهاد 162 فلسطينيًّا وإصابة نحو 1300 آخرين.

من ضمن الشهداء كان الصحافيين بفضائية الأقصى حسام محمد سلامة (30 عامًا) ومحمود علي أحمد الكومي (29 عامًا)، والذين اغتالتهما طائرة حربية للاحتلال بقصف جوي لشارع الشفاء في غزة يوم 20 نوفمبر. ولحق بهما الصحافي بإذاعة القدس التعليمية الشهيد محمد موسى أبو عيشة (24 عامًا) في اليوم ذاته في دير البلح إثر استهدافه بهجوم صاروخي من قبل طائرة إسرائيلية.

حرب غزة الثالثة: 17 صحافيًّا شهيدًا على الأقل

كما استغلت دولة الاحتلال انشغال السياسيين الأمريكيين بالتجهيز للانتخابات الرئاسية في عامي 2008 و2012 لشن حربيها الآثمتين على قطاع غزة، استغلت انشغالهم بالانتخابات النصفية عام 2014 وشنت حربها الثالثة في السابع من يوليو (تموز) من العام ذاته، واستشهد في تلك الحرب أكثر من 2300 فلسطيني بينهم 578 طفلًا وأصيب أكثر من 11 ألفًا آخرين على مدار 51 يومًا هي مدة الحرب.

Embed from Getty Images

كانت هذه الحرب هي الأكثر حصادًا لأرواح الصحافيين في تاريخ فلسطين؛ إذ استشهد بها 17 صحافيًّا على الأقل، من بينهم نجلاء محمود الحاج (29) المتطوعة الإعلامية في «راديو الفيسبوك» والتي استشهدت في اليوم الأول للحرب إثر قصف منزل عائلتها بمدينة خان يونس جنوب غزة. أيضًا، استشهد الصحافي بالشبكة الفلسطينية للصحافة والإعلام محمد نور الدين الديري (26 عامًا) في اليوم نفسه بقصف صاروخي استهدف سوق الشجاعية بمدينة غزة، وعثر على جثمانه بعد يومين من وفاته إثر منع قوات الاحتلال سيارات الإسعاف من الدخول إلى السوق وإنقاذ المصابين.

وفي شهر أغسطس (آب) من العام نفسه، استشهد الصحافي الإيطالي بوكالة «أسوشيتد برس» سيميوني كاميللي (35 عامًا) ببيت لاهيا شمال قطاع غزة إثر انفجار صاروخ من مخلفات الحرب.

مسيرة العودة الكبرى: رصاصة حية تستهدف مذيع صوت الشعب

شهد يوم الأرض الفلسطيني الموافق الثلاثين من مارس (آذار) عام 2018 مظاهرات عارمة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين في مناطق مختلفة من فلسطين المحتلة استمرت حتى ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019، وعرفت فيما بعد باسم مسيرة العودة الكبرى، وكان دافعًا من دوافع خروج تلك المظاهرات هو اعتراف الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالقدس عاصمة أبدية لدولة الاحتلال، وهو ما استفز مشاعر الفلسطينيين ودفعهم إلى تلبية دعوة اللجنة التنسيقية العليا لمسيرات العودة.

سياسة

منذ 4 سنوات
الغضب الساطع آتٍ.. هل تنهي «مسيرة العودة الكبرى» التغريبة الفلسطينية؟

كانت أبرز تلك المسيرات؛ مسيرة «شعب غزة» الذي انطلق تجاه الحدود مع دولة الاحتلال واشتبك مع الجيش؛ ما أسفر عن سقوط العديد من القتلى والجرحى على يد جنود الاحتلال الذين استهدفوا بأسلحتهم المتطورة المدنيين العزل. واستشهد في تلك المسيرة المراسل بإذاعة صوت الشعب أحمد أبو حسين، الذي استهدفته قوات الاحتلال برصاصة حية أصابته في بطنه يوم الجمعة الثالث عشر من أبريل (نيسان) 2018.

ما ذكرناه سابقًا هو غيض من فيض جرائم الاحتلال ضد الصحافيين في فلسطين دون تمييز بينهم على أساس عرقهم أو بلدهم أو دينهم. فبالنسبة لدولة الاحتلال يكفي فقط كي تستقر رصاصة في رأسك، أو يتفحم جسدك بقصف صاروخي؛ أن تكون صحافيًّا ذا ضمير وقلب نابض ينقل جرائمها إلى العالم ويضعها في موضعها الطبيعي كيانًا غاصبًا ومحتلًّا لا عهد له ولا ميثاق.

أبرز الصحافيين الذين استشهدوا على يد الاحتلال الإسرائيلي، ولمعرفة جميع شهداء الصحافة الخالدين، يمكن الضغط هنا:

/