عبد الله الحامد... "النهر يحفر مجراه"

توفي الأكاديمي والمناضل الحقوقي السعودي الدكتور عبد الله الحامد في السجن، ليسدل الستار عن أهم المفكرين الحقوقيين الإسلاميين الداعين للمجتمع المدني في الخليج العربي، حيث ترك الحامد نتاجاً ضخماً من الكتب التي أكدت التوفيق بين الإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان.

عبد الله الحامد... "النهر يحفر مجراه"
أعلن ناشطون حقوقيون سعوديون، اليوم الجمعة، وفاة الأكاديمي والمناضل الحقوقي السعودي الدكتور عبد الله الحامد في السجن، وذلك نتيجة الإهمال الصحي المتعمد، الذي أدى إلى جلطة دماغية أودت بحياته، بعد مسيرة طويلة من النضال والدفاع عن حقوق المعتقلين، والمطالبة بملكية دستورية وانتخابات ديمقراطية في السعودية، إضافة إلى الإصلاح الديني داخل المدرسة السلفية. ولد الحامد في 12 يوليو/ تموز عام 1950 في مدينة بريدة بمنطقة القصيم، حيث أتم دراسته النظامية هناك، كما درس في ذات الفترة في المساجد والحلقات العلمية التي تشتهر بها منطقة القصيم، أحد معاقل الحركة السلفية في البلاد.وأكمل الحامد، والذي يكنى بأبي بلال، دراسته الجامعية في تخصص اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، وحصل على درجة الماجستير في عام 1974، ليُعيّن أستاذا مساعدا في ذات الجامعة ومسؤولا عن عدد من الملفات التعليمية والطلابية، ثم حصل في عام 1978 على درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر في مصر، وعاد إلى السعودية ليصبح أستاذاً في الأدب والنقد في ذات الجامعة. وبقي نشاط الحامد العلني طوال سنوات منحصراً في دائرة الأدب والثقافة واللغة العربية، إذ كتب في كبريات المجلات الأدبية السعودية، وعمل عضوا في "نادي الرياض الأدبي"، وهو أهم صرح ثقافي في البلاد يسمح للأدباء والمثقفين العمل فيه في تلك السنوات، لكن الظهور الحقيقي للحامد في المجال السياسي والحقوقي بدأ مع "لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية" عام 1993، والتي ساهم في تأسيسها مع كبار قادة المعارضة السعودية فيما بعد، ومنهم الدكتور محمد المسعري والدكتور سعد الفقيه، قبل أن تحظرها السلطات السعودية وتعتقل مؤسسيها ومن بينهم الحامد، ثم تفرج عنهم بسبب الضغوطات الداخلية والخارجية.وبعد الإفراج عنه، عاد "شيخ المناضلين" هذه المرة من بوابة التنظير للمجتمع المدني من منظور إسلامي وحقوقي، وبدأ بكتابة عدد من المقالات التي تشرح أفكاره المطالبة بالحريات، فاعتقل مرة أخرى عام 1994، ثم اعتقل مرة ثالثة عام 1995 بسبب نشره لكتاب "حقوق الإنسان"، ومُنع من السفر لمدة خمس سنوات حينها.وكتب الحامد، عام 2003، وثيقة وقع على تأييدها 115 أكاديمياً وسياسياً مهتماً بالشؤون الإصلاحية، عنوانها "الإصلاح الدستوري أولاً"، طالب فيه بملكية دستورية إسلامية، وقُدّمت هذه العريضة لولي العهد السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزيز. ولم تستجب السلطات لهذه الوثيقة، وقامت في أوائل عام 2004 باعتقال عدد كبير من الموقعين عليها، وأخذت عليهم تعهدات بعدم تكرار هذه الفعلة، لكن ثلاثة أشخاص رفضوا التوقيع على التعهدات، وهم الدكتور عبد الله الحامد والدكتور متروك الفالح والأديب علي الدميني، لتحيلهم السلطات إلى المحاكمة في ما عُرف بقضية "الإصلاحيين الثلاثة"، حيث اتُهموا بـ"إعداد بيانات مناهضة للدولة".وأصدرت المحكمة حكماً بالسجن على الحامد مدة 7 سنوات، قضى منها سنة ونصف في السجن، قبل أن يتولى العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز مقاليد الحكم ويصدر عفواً عن المتهمين، ومن بينهم الحامد، الذي اعتذر عن مقابلة الملك والسلام عليه كما فعل بقية المتهمين الذين تم العفو عنهم.واعتُقل الحامد مرة أخرى في عام 2008، نتيجة نشاطه في المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، لكن الحدث الفارق في حياته هو تأسيسه لـ"جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية"، والتي عرفت اختصاراً باسم "حسم" عام 2009، ودعت هذه الجمعية العاهل السعودي إلى تشكيل برلمان حرّ وإجراء انتخابات نزيهة، واكتسبت زخماً كبيراً مع أحداث "الربيع العربي" أواخر عام 2010، لتسارع السلطات السعودية لاعتقال مؤسسيها.وحكمت السلطات السعودية في عام 2013 على الحامد بالسجن مدة خمس سنوات، كما قامت بإعادة تفعيل عقوبة السجن التي صدرت بحقه في عام 2004، ليصبح مجموع أحكام سجنه 11 عاماً، في محاكمة أدانتها المنظمات الحقوقية العالمية لعدم شفافيتها، وحصلت على انتباه المجتمع السعودي، وردّد فيها الحامد وهو يسمع نطق القاضي بالحكم عليه "النهر يحفر مجراه". وتعرض الحامد للمضايقات الصحية والنفسية في سجن الحائر بالرياض، حيث مُنع من العمل على كتبه، كما لم تقدم له السلطات الرعاية الصحية الكافية رغم كبر سنه (70 عاماً)، وهو ما أدى إلى وفاته بعد دخوله في غيبوبة لمدة أسبوعين، وفق ما يقول حقوقيون سعوديون.وبوفاة الحامد يسدل الستار عن أهم المفكرين الحقوقيين الإسلاميين الداعين للمجتمع المدني في الخليج العربي، حيث ترك الحامد نتاجاً ضخماً من الكتب التي أكدت التوفيق بين الإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكتب عشرات الردود على العلماء الرسميين في البلاد، ومن أهم كتبه "حقوق الإنسان بين الإسلام وغبش الفقهاء والحكام" و"ثلاثية المجتمع المدني" و"الكلمة أقوى من الرصاصة" و"المشكلة والحل".