شجعان لا يهتمون بـ«النظافة الشخصية».. الروس القدامى في عيون الرحالة المسلمين

في واحدةٍ من أشهر قصائد المتنبي شاعر العربية الأشهر «على قدر أهلِ العزم تأتي العزائم»، والتي يُخلِّد فيها انتصارًا مهمًّا حقَّقته جيوش القائد العربي سيف الدولة الحمداني في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، على جيوش الروم، قرب قلعةٍ حيوية تسمَّى «قلعة الحدث» جنوبي شرق تركيا الحالية، يقول المتنبي: وَكَيْفَ تُرَجَّي الرُّومُ والرُّوسُ […]

شجعان لا يهتمون بـ«النظافة الشخصية».. الروس القدامى في عيون الرحالة المسلمين

في واحدةٍ من أشهر قصائد المتنبي شاعر العربية الأشهر «على قدر أهلِ العزم تأتي العزائم»، والتي يُخلِّد فيها انتصارًا مهمًّا حقَّقته جيوش القائد العربي سيف الدولة الحمداني في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، على جيوش الروم، قرب قلعةٍ حيوية تسمَّى «قلعة الحدث» جنوبي شرق تركيا الحالية، يقول المتنبي:

وَكَيْفَ تُرَجَّي الرُّومُ والرُّوسُ هَدْمَها .. وَذَا الطَّعنُ أَسَّاسٌ لَها وَدَعَائُم

يفتخر المتنبي بسيف الدولة، وانتصاره على جيوش الروم الذي حال دون تمكَّن الروم، وحلفائهم من الروس، من احتلال وهدم تلك القلعة التي كانت تمثل شوكةً في خاصرة الروم، ويبدو أن حشدَ الروم لتلك المعركة كان أشبه بجيوش التحالف في العصر الحديث، فكان يضم مقاتلين من قبائل وأجناس شتَّى، حتى إنَّ المتنبي يذكر في بيتٍ آخر في القصيدة المذكورة نفسها أن المقاتلين في جيش الروم كانوا لا يستطيعون التحدث مع بعضهم بعضًا إلا عبر المترجمين.

تجمَّع فيه كل لسنٍ وأمةٍ .. فما يَفهِمُ الحُدَّاثَ إلا التراجمُ

ولم يقتصر حضور روسيا والروس القدامى في كتابات العرب المبكرة على هذا الذكر العابر في قصيدة المتنبي، بل أشار إليهم العديد من الرحالة والمؤرخين العرب، وسجَّل لنا بعضهم صفحات شيقة من الوصف التفصيلي للمجتمعات الروسية وعاداتها، وسياسات حكامها، وتفاعلها مع الآخر، لاسيَّما الآخر العربي والإسلامي.

وما أدراكَ ما الروس.. من الضعف إلى امتلاك النفوذ والبأس

تذكر الموسوعة البريطانية، أن هناك خلافًا بين المؤرخين حول أصل الشعب الروسي، الذي يسكن بالأساس أراضي دولتيْ روسيا الاتحادية وبيلاروسيا الحاليتيْن، ويتفرَّق بنسبٍ متفاوتة في دولٍ أخرى مجاورةٍ لاسيَّما أوكرانيا، ومولدوفيا، ودول القوقاز مثل جورجيا.

ويعتقد العديد من المؤرخين الغربيين أن أصول الروس تعود إلى الفارانجيين المنحدرين من قبائل الفايكنج الإسكندنافية التي اشتهرت تاريخيًّا بالغلظة وبالغزوات البحرية والبرية، وأن هؤلاء اتجهوا جنوبًا من مناطقهم حول بحر البلطيق، واستوطنوا أراضي أوكرانيا الحالية، واتخذوا من كييف (الحالية) عاصمةً لهم، واندمجوا في الشعوب السلافية الشرقية التي كانت تسكن في تلك المناطق.

واستند أصحاب هذه النظرية على كتابات الرحالة العرب الذي زاروا تلك المناطق في القرن العاشر الميلادي مثل الإصطخري وابن فضلان وغيرهم، والذي أشاروا إلى أن الروس القدامى ينحدرون من منطقة غنية بالغابات والبحيرات والجزر، ورجَّح البحث الجغرافي لاحقًا أنها منطقة نوفجورود شمال غربي روسيا الحالية، قرب بحر البلطيق.

موقع منطقة نوفوجورود، واتجاه هجرة الفارانجيين إلى كييف

لكن مؤرخين آخرين من الروس وغيرهم يرون أن شعوب روسيا تنحدر مباشرة من القبائل السلافية الجنوبية، وأنهم أنشأوا دولتهم الأولى، دولة كييف الروسية، والتي احتلها الفايكنج الفارانجيون لفترةٍ قصيرة، وكان هذا أصل التصور الخاطئ (برأيهم) عن الأصل الفارانجي للروس.

وكان العرب والمسلمون يسمون الشعوب السلافية في المجمل باسم الصقالبة، وكانوا يميلون إلى اقتناء العبيد والمماليك منهم، لشدة بأسهم وصلابتهم، وكان لهؤلاء العبيد الصقالبة وجود سياسي وعسكريٌّ مؤثر في مناطق إسلامية عديدة من أبرزها الأندلس، والتي حكم الصقالبة بعض أجزائها في عصر الاضطراب السياسي المعروف بعصر ملوك الطوائف.

ومنذ القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري) بدأ الرحالة والتجار المسلمون في الوصول إلى أعماق الأراضي الروسية، في الحوض الشمالي من نهر الفولجا، ووصفوا بعد عودتهم العديد من المظاهر السياسية والاجتماعية في تلك المنطقة، والتي كان يقودها ملكٌ يُسمَّى بالخاقان.

وكانت قبائل الروس القدامى المبكرة تميل إلى التوغل جنوبًا، وشهد عام 860هـ أول ظهور لهم على مقربةٍ من العاصمة البيزنطية القسطنطينية، وسجلت غاراتٍ لهم عليها منذ مطلع القرن التالي، كما استقرَّ بعضهم في الأراضي البيزنطية، وبدأوا يندمجون مع سكانها، ولعلَّ هذا يؤكد صحة ما سجَّله المتنبي من اشتراك بعض قبائل روسيا في الحروب البيزنطية ضد الدولة الحمدانية، وكان لهذا الاحتكاك بالروم البيزنطيين دور رئيس في بداية اعتناق سكان روسيا للمسيحية الأرثوذكسية منذ عام 375هـ/985م.

تاريخ

منذ سنتين
نَهْب موسكو 1382.. خدعة الشعوب التركية التي لم ينسَها الروس أبدًا

لكن يبدو أن شهر العسل بين الروس والروم لم يَطُل كثيرًا، إذ يذكر المؤرخ ابن الأثير في أحداث عام 435هـ في كتابه «الكامل في التاريخ» أخبار غزوة روسية بحرية وبرية ضد القسطنطينية، لكن نجح الروم في الدفاع عن عاصمتهم، وهاجموا سفن روسيا بسلاحهم الفتَّاك آنذاك، النار اليونانية، والتي أتى لهيبها على الأسطول المُغِير فدمره، وسقط الروس بين قتيلٍ وأسير، ولم ينجُ منهم وفقَ ابن الأثير إلا العدد القليل مع قائدهم ابن ملك الروس.

وعلى مدار قرون العصور الوسطى، لم يكن لروسيا وجودٌ مؤثر في الساحة السياسية العالمية، وقد أثرت الغزوات المغولية سلبًا على الحواضر الروسية في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، لكن بدأ وجودهم في البروز إقليميًّا في القرن التالي، مع ظهور دوقية موسكو الكبرى (العاصمة الحالية لروسيا الاتحادية) وازدهارها، وتزامن هذا مع الضعف التدريجي في النفوذ المغولي، وتضعضع دولة مغول القبيلة الذهبية التي كانت تسيطر على غربي آسيا وأجزاء من شرق أوروبا.

ويؤشِّر الكثير من المؤرخين لنهاية عصر روسيا القديمة بانتخاب ميخائيل رومانوف قيصرًا لروسيا في 21 فبراير (شباط) 1613م، وكان لروسيا القيصرية صولات وجولات كبرى مع البلدان الإسلامية، إذ كانت أغلب تمدُّداتها الاستعمارية على حساب المناطق الإسلامية، لاسيَّما تلك التي كانت خاضعة لسلطان الدولة العثمانية أو لنفوذها، مثل القوقاز وشبه جزيرة القرم، وجنوبي أوكرانيا، وشرقي البلقان، وكان للضغط الروسي السياسي والعسكري الدور الأبرز في تضعضع الإمبراطورية العثمانية – الممثل السياسي الأهم للعالم الإسلامي آنذاك – ثم سقوطها.

الروس القدامى في عيون الرحالة المسلمين وكلماتهم

«أمَّةٌ من الأمم بلادهم متاخمة للصقالبة والترك، ولهم لغة ودين وشريعة لا يشاركهم فيها أحد» *ياقوت الحموي في كتاب «معجم البلدان» متحدثًا عن الروس

نقلًا عن الرحالة المسلم إبراهيم الإصطخري (المتوفي 346هـ/957م)، يقسِّم المؤرخ العربي المسلم ياقوت الحموى (المتوفي عام 626هـ/1229م) الروس القدامى في كتابه «معجم البلدان» إلى ثلاثة أقسام: أولها: تقع مناطقه قرب مناطق قبائل البلغار، ويصل إلى أرضهم التجار من البلاد الأخرى دون مشكلات، وقسم ثانٍ: إلى الشمال، سمَّاهم الصلاوية، أما القسم الثالث؛ فأطلق عليهم اسم الأرثاوية، وذكر أنهم كانوا عدوانيين، يقتلون كل من يطأ أراضيهم من الغرباء، ولذا لم يكن التجار يدلفون إلى مناطقهم، بينما يأتى تجار الأرثاوية عبر الأنهار ليبيعوا جلد السمور والرصاص، ثم يعودون إلى أراضيهم.

ويبدو أن احتكاك العرب والمسلمين بسكان روسيا كان بالأساس في مناطقهم الجنوبية، والجنوبية الغربية، المتاخمة للمناطق الإسلامية، خاصةً في القوقاز، والحوض الجنوبي لنهر الفولجا، حيث مصب النهر في بحر قزوين.

فمثلًا يروي المؤرخ ابن الأثير الجزري في أحداث عام 332 هـ في موسوعته «الكامل في التاريخ» أنباء غارة روسية كبيرة على منطقة أذربيجان القوقازية، راح ضحيتها الآلاف من المُدافعين المسلمين، وعجزت القوات الإسلامية المحلية عن منع الروس القدامى من احتلال مدينة بردع – في أذربيجان الحالية – والتي استباحها الروس، فقتلوا الآلاف من سكانها، وسبوا النساء، لكن مالبثوا أن طاردهم قائد محلي هو المرزبان بن محمد بجيشٍ كبير، وهزمهم، واسترد الكثير مما كان بحوزتهم من الغنائم.

وفي كتاب «حدود العالم من المشرق إلى المغرب» المبني على مخطوطة تحتوي مذكرات رحالة مسلم مجهول في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، يصف الرجل الروس القدامى بأنَّهم مقاتلون أشداء يميلون إلى العدوانية، ويخوضون الصراعات والحروب مع الشعوب المجاورة لهم وينتصرون في أكثرها.

لكنَّ يشتكي الرحَّالة أنَّ طباعَهم على المستوى الفردي سيئةٌ، إلا أنهم في الوقت نفسه يخضعون لملكهم الذي يلقَّب بالخاقان، ويدفعون إليه على الأقل عُشر ما يجنون من أموال، وذكر أيضًا أنهم يكنُّون احترامًا كبيرًا لمن يفدُ عليهم من الأطباء. 

وقد ذكر الرحالة المذكور أن حاضرة بلاد الروس في عهده كانت مدينة (كويابة)، وأنها كانت أقرب مدنهم الكبرى للديار الإسلامية، ويعتقد المؤرخون الروس المعاصرون أنَّ كويابة المذكورة ليست إلا مدينة كييف عاصمة أوكرانيا الحالية، حُرِّفَ اسمُها مع التعريب، ويصفُها الرحالة المسلم بأنَّها كانت قاعدة تجارية مهمة، وامتدح إنتاجها من السيوف والأصواف. 

فإذا انتقلنا إلى الرحالة المسلم شمس الدين المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، فقد وصف بساطة البيوت في روسيا، وأن أغلبها خيامٌ، أو منازل من الخشب والطين، باستثناء قصر الملك، فقد كان أكثر اتّساعًا، وأحسن بناء، أساسه من الطوب الخزفي والطيني، وموقعه يشرف على ساحل النهر، ويمكن للملك الدخول والخروج منه عبر النهر، وموقعه وسيط بين الماء والصحراء المفتوحة.

أما الرحالة إبراهيم الإصطخري في كتابه «المسالك والممالك» فيشير إلى كثرة عدد الروس وقوتهم، ونجاحهم في فرض إرادتهم على العديد من الشعوب المحيطة بهم، وإرغامها على دفع الجزية لهم في بعض الفترات، لاسيما الروم، وبلغار الفولجا الذي كانوا يُسمَّوْن بالصقالبة، وعلى مستوى المعيشة الفردية، فيذكر أن ملابسهم كانت أقصر وأبسط من ملابس الشعوب الأخرى المجاورة، لكنَّ لهم بعض العادات الغريبة مثل إحراق جواري الميت معه، لاسيَّما إن كان من الطبقة الحاكمة.

وهم في العموم كانوا يحرقون جثث الموتى بدلًا من دفنها، وينقل ياقوت الحموي في «معجم البلدان» أن الروس كانوا يعدون دفن الموتى نوعًا من الحماقة، إذ إن هذا يجعل الميت بزعمهم غداءً للديدان فيتأخر وصوله إلى العالم الآخر، أما إحراقه، فيجعل رمادهم يطير سريعًا إلى الجنان، ولذا كانوا يستبشرون خيرًا بمن يموت ويُحرق رمادًا في يومٍ عاصفٍ، فهذا في نظرهم قد رضي عنه الرب فأرسل الريح القوية لتحمله فورًا إلى ما يعتقدون أنه «الجنة».

المصدر: quora

ويسجل ياقوت الحموي نقلًا عمَّن سبقوه من الرحالة المسلمين أن ملك الروس كان يخدمه ويحميه على الأقل 400 من خاصة الرجال الأشداء يقيمون معه في القصر ولا يفارقونه حتى في غرفة نومه، وكان يُمنح كلٌّ منهم جاريتيْن، إحداهما لخدمته، والأخرى لمتعته، أما الملك فكان له على الأقل 40 من خاصة الجواري الفاتنات، وقد يجامع بعضهن دون استتار من الباقياتٍ أو من حرسه، لكن الحموي يشير إلى أن كثيرًا من تلك العادات الفجَّة قد تغيَّرت بعد اعتناق الروس للمسيحية في القرون التالية.

وكانت المبالغة في رفاهية الملك تصل إلى حدودٍ لا معقولة، إذ كانوا يُدخلون فرسَه إليه داخل غرفة النوم لتحمله من فوق سريره دون أن يحتاج ليخطوَ خطوةً واحدة، وكثيرًا ما كان الملك يتفرغ للملذات والطعام والراحة، ويوكل مهمة الحروب الخارجية وإدارة شئون البلاد لأحد أفراد أسرته أو القادة الموثوقين.

رحلة ابن فضلان: أبدانهم كالنخيل ولا يحسنون النظافة الشخصية

أما على مستوى العادات الشخصية والصحية والتي تُسمَّى في زمننا الحالي بالـ«hygiene»، فقد انهال ابن فضلان على الروس بقصفٍ من الكلمات الثقيلة، فقد وصفهم نصًّا بأنهم «مثل الحمير الضالة، وأنهم لا يحسنون تنظيف أنفسهم جيدًا بعد التبول والتبرز، ولا يغسلون أيديهم بعد تناول الطعام، ولا يستحمُّون بعد إنهاء العلاقة الحميمة».

«تقع أهميَّة رحلة ابن فضلان في أنَّها تزوِّد التاريخ العالميَّ بشذراتٍ مهمَّةٍ عن أنماط معيشة شعوب قلَّما سُجِّلت؛ إنَّها تسدُّ ثغرةً تاريخيةً في هذا المجال وتعد رائدًا في الإشارة لتاريخ الشعوب الصربيَّة، والروس منهم على وجه الخصوص» *محقق كتاب «رحلة ابن فضلان»

لعلَّ أبرز المصادر الإسلامية التي تحدثت عن مجتمع الروس القدامى وحياتهم في العصور الوسطى، هو «رحلة ابن فضلان» التي خاضها القاضي أحمد بن فضلان، سفيرًا بأمر الخليفة العباسي المقتدر بالله، إلى ملك البلغار – كان يُسمى عند العرب ملك الصقالبة – الذي دخل في الإسلام لتوِّه، وكان يعاني من طغيان مملكة الخزر اليهودية المجاورة له، ويطلب دعم الخلافة العباسية ضدها.

والمقصود هنا بالبلغار ليس سكان دولة بلغاريا الحالية في شرقي أوروبا، إنما قبائل سلافية كانت تسكن الحوض الشمالي لنهر الفولجا، في غربي دولة روسيا الحالية، وكانوا مجاورين للقبائل الروسية، ودائمي الاحتكاك بها إيجابًا وسلبًا. وأطال ابن فضلان في وصف حسن استقبال هذا الملك لهم، وسعادته بوصولهم، وإكرامه لهم بالمأكل وبالمشرب وبالمأوى. 

 انطلق ابن فضلان في رحلته من بغداد عام 309هـ/921م، واتجه شرقًا في البداية إلى مناطق حلوان والري في إيران الحالية، ثم توغَّل في أواسط آسيا، حيث ما كان يُعرَف ببلاد الأتراك، ووصل إلى مدينة بُخارى – في أوزباكستان الحالية – عاصمة الدولة السامانية التي كانت تدين بالولاء الاسمي للعباسيين، ثم توجَّه إلى بلاد خوارزم – في أوزباكستان أيضًا – وتعرَّض لأهوال في  الطريق، لاسيَّما من ظروف الطقس المتقلبة، وأهواء أبناء القبائل وأهل المناطق التي مرَّ بها، ثم صعد شمالًا إلى بلاد بلغار الفولجا، ومنها عرَّج على مناطق الروس، والتي غادرها إلى مناطق مملكة الخزر اليهودية، التي كانت تسيطر على أجزاء مهمة من القوقاز وأوكرانيا وغربي روسيا الحالية، ثم إلى القوقاز، عائدًا إلى مُنطَلَق رحلته في بغداد.

وخصَّص ابن فضلان فصلًا مهمًّا من مذكرات رحلته عن بلاد الروس وطباع أهلها وعاداتهم، فبدأ بوصفٍ تفصيلي لملابس الروس، وبساطتها، وأنها لا تغطي كامل أجسامهم، وفيها مناطق لحمل السكين الذي كان الروسي لا يتحرك بدونه، وبدون الفأس على كتفه، أما النساء، فكُنَّ يضعْن في أعناقهن أطواقًا من الحديد أو النحاس أو الفضة أو الذهب، على حسب حجم ثروة الزوج وإكرامه لزوجته، وكلَّما زاد عدد الأطواق، وكرُمَ معدنها، كان في هذا دلالةً على مدى ثراء الزوج.

«فلم أرَ أتمَّ أبدانًا منهم، كأنَّهم النَّخل، شُقرٌ حُمرٌ» *ابن فضلان يصف قوة أبدان الروس وطولهم

أما على مستوى العادات الشخصية والصحية، والتي تُسمَّى في زمننا الحالي بالـ«hygiene»، فقد انهال ابن فضلان على الروس القدامى بقصفٍ من الكلمات الثقيلة، فقد وصفهم نصًّا بأنهم «مثل الحمير الضالة، وأنهم لا يحسنون تنظيف أنفسهم جيدًا بعد التبول والتبرز، ولا يغسلون أيديهم بعد تناول الطعام، ولا يستحمُّون بعد إنهاء العلاقة الحميمة».

ويبدو أن لظروفهم المعيشية الصعبة دورًا في ذلك، فقد ذكر أنهم يعيشون في أحيانٍ كثر عشر أو 20 فردًا في بيتٍ واحد، وتتجمع أسرَّة عديدة في الغرفة نفسها، فلا يستترون من بعضهم بعضًا أثناء الجنس، كما قد تحضر الجارية إناءً واحدًا من الماء، يستخدمه أكثر من فردٍ في النظافة الشخصية، حتى يتغير لونه ورائحته.

تاريخ

منذ 3 شهور
الشرق بعيون أندلسية.. كيف وصف الرحالة الأندلسيون بلاد الشرق؟

ووفقًا لكلام ابن فضلان، كان الروس القدامى إبَّان رحلته لا يزالون وثنيين، يقدمون القرابين لآلهتهم الخشبية رجاء التوفيق في حياتهم وحروبهم وتجاراتهم، وكانوا جاهلين بالطب، فإذا مرضَ أحدهم عزلوه في خيمةٍ وتركوا له بعض الطعام، وتركوه للشفاء ذاتيًّا أو الوفاة.

وكانت لهم طقوسٌ خاصة مع الموت، لاسيَّما موت الزعماء وكبار التجار، فكانوا يحرقون جثة الميت بعد أن يضعوها على سريرٍ فخم مغطىً بالحرير، ويحرقون معه إحدى جواريه في سفينته، بعد أن يلقون فيها الكثير من لحم البقر والدجاج، ليتغذى عليها – في ظنهم – في رحلة العودة للآخرة.