ستفهم مشاعر الحب والنفاق والغيرة كما لم تفعل من قبل.. لماذا يجب أن تقرأ رواية “الزوج الأبدي”؟

فيدور دوستويفسكي أبو الأدب الروسي، العظيم الذي يخلده الروس والعالم كأحد أبرع الكُتاب والمُحللين النفسيين على مر الزمان، ذلك الرجل الذي كتب وكأنه من خلق إنسان عصره وعرف عن نفسه كل ما يخفيه وسيخفيه في السنوات محياه. في الفصل الأول من رواية “الزوج الأبدي” يتحدث “دوستويفسكي” بنبرة الراوي العليم عن بطل روايته “فليتشانينوف”، الأرستقراطي الذي […]

ستفهم مشاعر الحب والنفاق والغيرة كما لم تفعل من قبل.. لماذا يجب أن تقرأ رواية “الزوج الأبدي”؟
فيدور دوستويفسكي أبو الأدب الروسي، العظيم الذي يخلده الروس والعالم كأحد أبرع الكُتاب والمُحللين النفسيين على مر الزمان، ذلك الرجل الذي كتب وكأنه من خلق إنسان عصره وعرف عن نفسه كل ما يخفيه وسيخفيه في السنوات محياه. في الفصل الأول من رواية “الزوج الأبدي” يتحدث “دوستويفسكي” بنبرة الراوي العليم عن بطل روايته “فليتشانينوف”، الأرستقراطي الذي يجور الزمن عليه وعلی مرحه وسخريته ويحصرهما شيئاً فشيئاً، ويطفو على سطح حياته الكدر العام بسبب الذكريات. طبيعة “فليتشانينوف” من طبيعة أولئك الأشخاص الذين يفكرون ويحسون بقوة، حسب وصف طبيبه النفسي الشهير الذي قرر زيارته بعد شعوره المستمر بالغموض حول ما به. وهو في التاسعة والثلاثين تقريباً بدأ يفزع ويخاف، مصاب بالوسواس القهري والأرق، يری النملة فيلًا ولا يتوقف عن تكبير الأشياء التافهة لتصبح وحوش تلتهمه وتأكل نفسه وتمرضه، متردد، ويجلد ذاته بقسوة. “ماذا تعني تلك الصفعات وتلك الذكريات؟ ما الذي فعلته بحياتي اليوم؟ لم تكن حياتي سوی فوضی وحزن”. “فليتشانينوف”، “بافيل بافيلوفيتش” “ناتاليا فاسيليفنا”، والطفلة “ليزا”، أربع شخصيات تظهر واحدة تلو الأخری، وعند منتصف الرواية بالتقريب توضح الأمور. يُعذب بطلنا “فليتشانينوف” بعد تسع سنوات هجر فيها “ناتاليا” عشيقته وابتعد عنها، وحاول نسيان خطيئته ومحو ملامح الزوج الأبدي “بافيلوفيتش” من ذاكرته، ولكن هذا الأخير يعود إليه، ويفاجئه بموت زوجته -عشيقة “فليتشانينوف”- وبوجود “ليزا” التي يشعر تجاهها منذ اللحظة الأولى بأنها نتيجة خطيئته، وتجلده نفسه. ويظل بطلنا غارقاً في التفكير، لا يعرف سر عودة زوج المرأة التي خانت زوجها معه، ولا يعرف حقيقة “ليزا” التي يشعر تجاهها منذ اللحظة الأولى بشعور داخلي عميق. عندما تصل الرواية لتلك النقطة ستظن أن هذا كل ما في الأمر، ولكن الأمور عند الفيلسوف الأعظم لا تجري هكذا. الرواية تتحدث عما هو أعمق من هذا، تتحدث عن الغيرة والحقد والمشاعر السيئة التي تندثر مع الزمن وتترسب داخل النفس منتظرة فرصة مناسبة كي تطفو فيما بعد آخذة كل مساحة التفكير والشعور داخل صاحبها، تتحدث الرواية عن الكره والحب والشعور بالشفقة، وعن الإفراط في التفكير الذي يصاب صاحبه بالهلاوس في نهاية الأمر غالباً فيختلط عليه الواقع بالخيال. الرواية كتبها الراحل الكبير “دوستويفسكي” وهو في الخمسينيات من عمره، كتبها بنضج شيخ كبير لا يخشی التعارك مع نص أدبي كهذا، لأنه يعرف كيف يحلل الإنسان ويجعله مكوناً من دوافع وهرمونات ومشاعر متراكمة تؤدي لحركات وأفعال الشخصيات. كتبها دوستويفسكي بصيغة الراوي العليم، ذلك الذي تشعر معه أنه يأخذ بيدك ويسير بك داخل شخصيات أبطاله، داخل أعماقهم، قلوبهم، عقولهم، تشعر وكأنها يُطلعك عن كل شيء دون أن يُعرفك شيئاً كاملاً. يخبرك عن الأفكار غير الواعية لدی الأبطال، عن هلاوسهم ووسواسهم، ويجعلك تشعر بالكره والحقد الذي قد يشعر به “فليتشانينوف” تجاه “بافيلوفيتش” أو العكس، يجعلك تشعر بالشفقة أو الغضب، تشعر بنُبل الأشخاص ودنائتهم. “دوستويفسكي” رجل صادق، هو في رأيي هكذا منذ زمن بعيد، حينما قرأت عنه منذ ثلاث سنوات لم يروِ ظمئي لمعرفته سيرته الذاتية التي كتبها “هنري ترويا” والتي تحدث فيها عن ظروف حياته الصعبة ونوبات صرعه، ذلك المر الذي ذاق ويلاته هو ما جعل من ألمه نافذة داخل نفسه، وبالتالي داخل نفوسنا جميعاً، حيث نشعر جميعاً، كل من يهتمون بالأدب والقراءة والفن، أن هذا الرجل عاش حياتنا منذ زمن بعيد بصورة واقعية وشفافة، لا يشوبها أي شائبة. “على العموم، الأمور تسير دائماً من سيئ إلی أسوأ”. سيد عبدالحميد هو كاتب مقالات وقصص قصيرة. يكتب في عدة مواقع إلكترونية عربية. وصدر له “لارا”. أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net