رسائل هيلاري ومعركة تشويه الثورات العربية

الثورات العربية لم تصنعها المؤامرات، وإن لم تخل من مساحةٍ للمتآمرين، في مقدمتهم رجال سلطات قديمة تكره ميل الشعوب إلى التحرّر، كما أن سردية أن أموالا ضخت لصناعة الثورة ساذجة، فالأموال والدعاية ليست كافية لتعبئةٍ شعبيةٍ كما في الثورات.

مثّل إعلان الرئيس الأميركي، ترامب الكشف، عن مراسلات وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، نقطة انطلاق حملات إعلامية مكثفة، خضعت للتوظيف أميركيا بحكم التنافس في الانتخابات الرئاسية بين مرشح الحزب الديمقراطي، بايدن، وترامب. وعربيا، وظفت من دوائر إعلامية، لإثبات صحة رؤية السلطات التي تمثلها، ولتعزيز رؤية تروجها لتفسير مشاهد سياسية عدة، وبدا أن خيوط ترامب ودعايته تلتقي مع محور عربي يستخدم الإعلام في التجييش لمصالحه عبر تعميم منظور المؤامرة.

ينطلق ترامب من أن هيلاري كلينتون والحزب الديمقراطي ساهما في الاضطرابات السياسية، بما فيها الربيع العربي، وتلتقي معها دعاية سلطات عربية أيضا، تصوّر الثورات صناعة أميركية، وهذا هو الهدف الرئيس من الحملة الإعلامية في جانبها العربي، والذي تعد وسائل إعلام القاهرة والرياض وأبوظبي كتلة واحدة، ذات خطاب مشترك، بغض النظر عمّن يكتبها، يعرف ما ينبغي ترويجه. لا مشكلة هنا في اتساع خيال الروايات، أو ذكر ما هو معلوم بالضرورة من صراعاتٍ وأحداثٍ سياسية. المهم السردية الأساسية، الثورات مؤامرة قادها خونة باعوا أوطانهم، وخدعوا ملايين من شعوبٍ انتفضت ضد الفقر والفساد والديكتاتورية.

ما زالت تبث يوميا مئات من مقالات وتحقيقات وتقارير مصوّرة، تعتمد على إعادة تدوير رسائل قديمة لهيلاري، سبق ونشرتها الصحف نفسها (يذكر بعضهم ذلك)، يعاد بثها اليوم مع أجواء انتخابات الرئاسة الأميركية، ليشكل مشهد تآزر إعلام عربي مع خطابات ترامب، وكأننا أمام جبهة واحدة. ويجد المتابع لما يكتب أن هدف أغلب الروايات، بما فيها من خيال واسع، إلصاق كل أوصاف قاموس الهجاء للثورة وقواها، وكأن المطلوب أن تعتذر الشعوب عن ثورتها بعد الإقرار بالندم أولاً، والكف عن الإتيان بأي فعل احتجاجي، والمطالبة بحقوقٍ أساسية لمواطنين منطقتهم منكوبة اقتصاديا واجتماعيا.

تنطلق حملة إدانة الثورة من أن رسائل هيلاري فرصة ذهبية لإجلاء الحقيقة، وتوعية شعوب غافلة، ما يصبّ في حالة إذعان، وتسليم تام بما هو قائم

تنطلق حملة إدانة الثورة من أن رسائل هيلاري فرصة ذهبية لإجلاء الحقيقة، وتوعية شعوب غافلة، وهو ما يصبّ، في النهاية، في حالة إذعان، وتسليم تام بما هو قائم، بل وتقدير نظم كشفت تلاعب عصابات تخليق الثورة، وتصدّت لفاعليها بطرق شتّى، نفيا وتهجيرا وحصارا وعنفا يسهل تبريره. ولكن، وبالنظر إلى ما تم تناوله من رسائل قديمة ومحدثة، فإن مجملها يتعلق بفترة ما بعد الثورة والمرحلة الانتقالية، أي أن منطق الدعاية لتشويهها ودمغها بالمؤامرة المصنّعة في معامل هيلاري مرتبك، غير ما تعلق بفترات انتقالية شهدت صراعاتٍ سياسيةً متعددةً بين رجال نظم قديمة وتحالفات سياسية، بما فيها مراهنات أميركية وأوروبية على بدائل سياسية، الأمر الذي لم يكن سرّا. أو أن الشعوب تعرّضت لخديعة، فسياسة أميركا لم تكن خافية. وفي هذا الشأن، يتسع النقد، ويستوجب أن يُكتب تاريخ الثورة ويُوثّق، بما فيه من أخطاء تتعلق بتحالفاتٍ ومراهناتٍ خاطئة. وعلى النظم التي تدّعي سردية أن الثورات مؤامرة أن تكتب التاريخ أيضا، إذا كانت تمتلك ما يثبت ذلك من حقائق، غير أن هناك إشكالية أن يظل تاريخ الثورات غير مكتوبٍ برواياتٍ رسمية، أو بأيدي من كانوا أطرافا فاعلة فيها، خصوصا في ما يتعلق بصراعات وقضايا شائكة. إنما المقالات السيارة وأجهزة إطلاق الاتهامات لا تعد تاريخا، حتى ولو كانت تنطلق من بعض حقائق وشواهد، فإن هدفها، في النهاية، تزييف الوعي. وهذا لن يغير ذاكرة التاريخ، وأن شعوبا انتفضت ضد القمع والتمييز، ومن أجل عدالة وحريات وحقوق وكرامة إنسانية.

يشير تكرار سرديات تشويه انتفاضات الشعوب إلى رعبٍ من شبح تجدّدها، عدا عن نظرة منحطة لدى سلطات حاكمة

على جانب آخر، يُلحظ في بعض ما يكتب عن انتخابات الرئاسة الأميركية خطأ مراهناتٍ وتوقعات من جانبين. ينم الأول عن تخوف نظم عربية قريبة من البيت الأبيض من رحيل ترامب، ما سيخلّف أزمة لها، بينما ينطلق الجانب الآخر من هذه التخوفات، ويرى فيها فرصةً للمناورة، وربما كسب مساحات جديدة وتشكيل مشهد سياسي مغاير، أو إضعاف تحالفات إقليمية وسياسية. وكلا التصورين، فضلا عن مراهنتهما على الخارج بشكل كبير، يتجاهلان أن اختلافات منطلقات ترامب وبايدن ودعايتهما لا تنفي توجهات أميركية منطلقة من مصالح الولايات المتحدة التقليدية في المنطقة العربية، وهو المنظور نفسه الذي حكم سياسة أميركا الخارجية من الثورات، والتي أرادت استيعابها والبحث عن بدائل سياسية لنظمٍ كانت متفاهمة معها وتخدم مصالحها، لكن الثورة ليست صناعة أميركية. وهذا التحديد مهم، وغائب في الجملة الإعلامية الحالية عن قصد، بغرض خلط الأوراق والملفات، لضياع الحقائق وإبدال المشهد الذي ما زال شبحه يقلق صفوف الثورات المضادّة. ويجب التذكير بأن موقف أميركا كان مرتبكا من الثورات في بدايتها ومنقسما. وفي ذلك يجب نقد تصورات قوى سياسية بشأن مواقفها من الثورات عربيا وعالميا، غير أن أيامنا تلك تؤشّر إلى سياسة الولايات المتحدة بوضوح تجاه الشعوب والقضايا العربية، وهي لم تكن خافية في أي فترة. هي الراعية لتطبيع عربي إسرائيلي متسارع، فاق في عنفوانه أعمالا درامية وسينمائية، حتى يخيل للمتابع أن ما يحدث خيال. ومن ذلك أن الإمارات وإسرائيل ألغتا تأشيرات دخول مواطنيهما، وهي خطوة لم تتخذها الإمارات مع أغلب الدول العربية، مع أن كل العرب أبناء إبراهيم الذين يتخذونه عنوانا لاتفاق سلام، ومتكأ لحب عربي وارف لدولة الاحتلال. وثمّة تطبيع أشبه بالخضوع، لا يُعرف له تبرير، امتد إلى البحرين التي يهلل فيها مسؤول عن الأهمية الاقتصادية لعودة خدمة البريد مع إسرائيل. وتأتي الإشارة هنا إلى هذا الأمر، للتنويه بأن الثورات العربية بريئة من مشروعات التطبيع، لأنها تمثل الشعوب التي ترى في إسرائيل العدو ومصدر المخاطر والتهديد الرئيسي (أكدت ذلك استطلاعات رأي منها "المؤشّر العربي"). كما لم تفسخ الانتفاضات والثورات العلاقات العربية العربية، ولم تشعل الاصطفافات التي تخدم مصالح أميركا وإسرائيل، وهو أمر لا يحتاج صندوق بريد هيلاري. 

السلطات التي تكرّر سرديات المؤامرة الخارجية هي صاحبة العلاقات الوثيقة بأميركا وإسرائيل، وبعضها خادم لمصالحهما

الثورات العربية لم تصنعها المؤامرات، وإن لم تخل من مساحةٍ للمتآمرين، في مقدمتهم رجال سلطات قديمة تكره ميل الشعوب إلى التحرّر، كما أن سردية أن أموالا ضخت لصناعة الثورة ساذجة، فالأموال والدعاية ليست كافية لتعبئةٍ شعبيةٍ كما في الثورات. يمكن أن تصنع الأموال موقفا استعراضيا يضم عشرات آلالافٍ لحاكمٍ يفتقد جمهورا وتأييدا شعبيا، لكنها لا تنشئ تيارا عاما يطلق ثورة. وعن روايات تمويل الثورة، بما فيها من خلط بين منظمات مجتمع مدني (تخضع لمراقبة الحكومات) والفعل السياسي، امتدت مساحات التشويه، وهي السرديات التي شهدها كل بلد عربي شهد ثورة، بداية من تونس إلى مصر، وأحاديث تمويلات ميدان التحرير، إلى سفارات حراك لبنان وثورة السودان. وفي وسع المرء أن يسأل عن مقادير أموال ضخت، لتثبيت نظم أو خلعها، وهل نجحت تجاربها. وقد سبق وأن كشفت شهاداتٌ عن أموال دعاية صرفها الرئيسان السابقان، حسني مبارك وزين العابدين، لكن ذلك لم يمنع إسقاطهما. وصحيح أن الثورات يمكن أن تفسد وتفشل بتدخل خارجي، وأنك تستطيع أن تشعل حربا بمليشيات وسلاح ومال، وأن تجوّع شعوبا، وأن تشتري موانئ وجزرا وأراضي وتسيطر عليها. أما أن تصنع ثورة من دون جذور سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة، فهذا غير ممكن. يمكن أن تحكم نظمٌ بمنطلق القوة والتغلب والعنف، وكل صور القمع الثقافي والمادي، لكن هذه النظم لا يمكن أن تكسب شعبيةً، وهي تطبق سياسةً معاديةً لشعوبها، فهذا غير ممكن. لذا ليس أمام الفاشلين حيال وضعهم سوى تشويه كل ما سبقهم، والقلق على مستقبلهم والتفنن في الأكاذيب والخداع والمراهنة على مساندةٍ من الخارج، لأنها تفقد ثقة شعوبها، وتفقد بشكل أكبر نتاج ذلك الثقة في نفسها، وتميل إلى الاعتماد على الخارج، ولا تسعى إلى استقلال وطني، بل على العكس تدور في مسارات التبعية، وترهن مقدّرات شعوبها للنهب نظير بقائها. ومن يتشنج دفاعا عن ترامب ويشوه الثورات هو من يرتهن للخارج. فضلا عن ذلك، يشير تكرار سرديات تشويه انتفاضات الشعوب إلى رعبٍ من شبح تجدّدها، غير ما يكشفه عن نظرةٍ منحطّةٍ إلى سلطاتٍ حاكمة، ترى انتفاضة الشعوب أداةً لمؤامرة خارجية. 

وليس من حاجة للتذكير بأن السلطات التي تكرّر سرديات المؤامرة الخارجية هي صاحبة العلاقات الوثيقة بأميركا وإسرائيل، وبعضها خادم لمصالحهما. ولم تخرج في مصر وتونس قوى ثورية تتبنّى خطاب التبعية لأميركا أو إسرائيل، بل إن نظما عربية قديمة، ونسختها المُحدثة (المشوّهة بتعبير أدق)، توصف علاقتها بالولايات المتحدة بالإستراتيجية والتاريخية، غير أوصافٍ لا يصح وصفها لدارس مبتدئ للعلاقات الدولية، وليس ممثلي حكومات، غير أن تحول الانتخابات الرئاسة السابقة بين ترامب وهيلاري، وكذلك بين ترامب وبايدن، إلى ساحة حروب إعلامية ومساندة تجييشها، يوحي بأن عواصم عربية كأنها حلت محل واشنطن.