دافعت عن حقوق النساء وكانت أول كاتبة محترفة في أوروبا، تعرف على كريستين دي بيزان

لابد وأنكم قد سمعتم بكتاب "المدينة الفاضلة" لأفلاطون، لكن هل سمعتم من قبل عن كتاب "مدينة السيدات" الذي تخيلت فيه كريستين دي بيزان مدينة افتراضية لا تعيش فيها سوى النساء الفاضلات، ابتداء من أمنا حواء ومريم العذراء، مروراً بديدو وسمراميس مؤسستي قرطاج وبابل، وزنوبيا ملكة تدمر، وانتهاء بالكاتبات والشاعرات والملكات اللواتي تركن بصمة في التاريخ؟

دافعت عن حقوق النساء وكانت أول كاتبة محترفة في أوروبا، تعرف على كريستين دي بيزان
لابد وأنكم قد سمعتم بكتاب “المدينة الفاضلة” لأفلاطون، لكن هل سمعتم من قبل عن كتاب “مدينة السيدات” الذي تخيلت فيه كريستين دي بيزان مدينة افتراضية لا تعيش فيها سوى النساء الفاضلات، ابتداء من أمنا حواء ومريم العذراء، مروراً بديدو وسمراميس مؤسستي قرطاج وبابل، وزنوبيا ملكة تدمر، وانتهاء بالكاتبات والشاعرات والملكات اللواتي تركن بصمة في التاريخ؟ في زمن كان العمل فيه بمختلف أنواعه حكراً على الرجال فقط، استطاعت كريستين دي بيزان أن تصبح أول كاتبة محترفة في أوروبا، واختارت أن تكون “رجلاً” لتعيل نفسها وأسرتها عن طريق الكتابة، بدلاً من أن تبحث عن زوج يعيلها. ولم تكسب كريستين قوتها من عملها في مجال الكتابة فحسب، بل ذاع سيطها وتفوقت على أقرانها من الرجال في الشعر والكتابة، كما كانت من أوائل “النسويات” في العالم، وقد وصفتها الكاتبة الفرنسية الشهيرة سيمون دي بوفوار على أنها “المرأة الأولى التي رفعت قلمها للدفاع عن بني جنسها”. تعالوا نتعرف على حكايتها، وفق ما ورد في مجلة National Geographic الأمريكية. social media\ كريستين دي بيزانكريستين دي بيزان.. أول كاتبة محترفة في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر، كان العمل لكسب العيش حكراً على الرجال، ليس هذا فحسب، بل كان من النادر أن تتلقى الفتيات التعليم أساساً. لكن من حسن حظ كريستين دي بيزان أنها كانت استثناء من تلك القاعدة، فقد ولدت في مدينة البندقية الإيطالية عام 1364 لأب بولوني عمل في الطب والتنجيم وما لبث أن أصبح منجماً ومفكراً في بلاط شارل الخامس، ملك فرنسا. انتقلت كريستين مع عائلتها إلى فرنسا عندما كانت في الرابعة من عمرها، وهناك حرص والدها على تلقينها كافة أنواع العلوم، فتلقت دروساً في اليونانية واللاتينية والأعمال الأدبية العظيمة والتاريخ والفلسفة والطب. كما كانت قارئة نهمة، أتاح لها موقع والدها في البلاط الملكي قضاء ساعات وساعات يومياً في مكتبة القصر في متحف اللوفر. ومنذ نعومة أظفارها، ظهر ولعها في الشعر والأدب فكانت تؤلف القصص والأغاني وتلقيها على مسامع أعضاء البلاط الملكي الذين كانوا معجبين بالطفلة الصغيرة الموهوبة. “كان علي أن أصبح رجلاً” بالرغم من أن طفولة كريستين كانت استثنائية ومختلفة عن طفولة معظم فتيات أوروبا في ذلك الوقت، إلا أن والدها لم يتجاوز التقاليد في مسألة زواجها، فبذل قصارى جهده لتأمين العريس المناسب لابنته، ووجده بالفعل في عام 1379، عندما كان عمرها 15 سنة.  فتزوجت كريستين من إتيان دو كاستيل، كاتب العدل وسكرتير الملك، وقد كان زواجاً سعيداً كما وصفته نتج عنه  ثلاثة أطفال: ولدان وبنت.  لكن، وبعد بضع سنوات فقدت كريستين والدها، ثم توفي زوجها بعد ذلك بوقت قصير في وباء (تقول بعض المصادر إنه الطاعون الدبلي) حوالي عام 1389. وفي سن 25، أصبحت كريستين أرملة لديها ثلاثة أطفال بلا معيل. وكان إخوتها قد عادوا إلى إيطاليا ولم يستطيعوا مساعدتها. وقد كان الحل التقليدي في ذلك الوقت هو البحث عن زوج جديد والزواج مرة أخرى، لكن كريستين اتخذت مساراً مختلفاً، وقررت الاستمرار بمفردها ودعم عائلتها بمواهبها الأدبية. حتى أنها كتبت في مذكرتها: “كان علي أن أصبح رجلاً”. اتخذت من الكتابة مصدراً لكسب رزقها  استغلت كريستين مزايا تعليمها المبكر لاحتراف مهنة الكتابة وذلك بهدف إعالة نفسها وعائلتها، وهو إنجاز غير مسبوق في ذلك الوقت. في البداية، وجدت كريستين وظيفة وعملت كمديرة للمنسخ، حيث أشرفت على عمل الخطاطين، ومجلدي الكتب، ورسامي الصور المصغرة. واتجهت إلى الكتابة في وقت فراغها، مستفيدة من ثروتها الفكرية الغنية التي حصلتها من خلال القراءة. ومن أجل الحصول على دخل إضافي، بدأت كريستين في إرسال القصائد التي ألفتها إلى شخصيات مؤثرة، على أمل جذب رعايتهم.  وبالفعل، أثمرت شجاعة كريستين، فاكتسبت رعاية من عدد من النبلاء المرموقين لتصبح الكتابة  مصدر رزق لها. كان راعيها ومصدر دخلها الرئيسي الملك تشارلز السادس (نجل الملك الفرنسي تشارلز الخامس، الذي توفي عام 1380). وكانت كريستين قادرة على جذب المزيد من الرعاة النبلاء، حتى أن بعضهم كانوا من خارج فرنسا. وكان من بينهم فيليب الثاني من بورجوندي، والملكة إيزابيلا من بافاريا، وإيرل ساليسبري الإنكليزي. social media\ كريستين دي بيزان عملها في النقد الأدبي إلى جانب كتابة الشعر، أثبتت كريستين أنها ناقدة اجتماعية وأدبية صريحة ومؤثرة. في أوائل القرن الرابع عشر، انتقدت في بلاط الملك جوانب أخلاقية في قصيدة رومان دي لا روز، وهي قصيدة مجازية طويلة كتبها لأول مرة غيوم دي لوريس ثم تابعها جان دي ميون في القرن الثالث عشر.  وجادلت كريستين بأن تصور القصيدة للمرأة كان إشكالياً، حيث نسبت سمات السلبية إلى الشخصيات الأنثوية الرمزية، وكذلك صورت النساء على أنهن مجرد أشياء لإرضاء رغبات الذكور. وكانت صريحة في نقدها للعمل، مما ساعد على إطلاق نقاش أعمّ في البلاط الفرنسي حول وضع المرأة، وجادلت بأن المكانة المتدنية للمرأة ليست طبيعية، بل ثقافية. كتاب مدينة السيدات في عام 1405، كتبت كريستين أشهر أعمالها على الإطلاق، لو ليفير دي لا سيتي دي دام (كتاب مدينة السيدات) وهو كتاب دافعت فيه عن حقوق النساء بطريقة فريدة. في هذا الكتاب، تتخيل كريستين مدينة تشغلها نساء رائعات من التاريخ: الشاعرة صافو، وديدو وسمراميس مؤسستا قرطاج وبابل، وزنوبيا ملكة تدمر، وحواء وإستر من الكتب العبرية، ومريم العذراء؛ والقديسة سيزيليا والملكة إيزابيلا من بافاريا. يسلط كتاب مدينة السيدات الضوء على أهمية التعليم لتشكيل النساء الفاضلات والقويات. وتشير كريستين إلى أن الرجال الأغبياء ظنوا أنه من السيئ تعليم الإناث “لأن الرجال يغضبون من معرفة النساء لأشياء أكثر منهم”. الحياة في زمن الحرب في عام 1413، كتبت كريستين واحداً من آخر أعمالها الرئيسية، Le Livre de la paix (كتاب السلام)، وهو سلسلة من النصائح الحاكمة لوريث الملك تشارلز السادس. وقد جاء هذا الكتاب في ظل حرب المائة عام التي خلقت حالة من الاضطراب السياسي والصراع العسكري بين فرنسا وإنجلترا. وبعد غزو إنكلترا لفرنسا عام 1415، لجأت كريستين إلى دير في بواسي، حيث كانت ابنتها قد ترهبنت فيه منذ سنوات. وتوقفت عن الكتابة لسنوات عديدة. لكنها عادت للكتابة من جديد بعد حصار أورليان، وهو انتصار فرنسي عام 1429 بقيادة القديسة جان دارك. وبعد سماعها الأخبار، حملت قلمها وكتبت Le Ditié de Jehanne d’Arc (“حكاية جان دارك”)، مشيدة بها بوصفها ضوءاً ساطعاً جديداً للفرنسيين. توفيت كريستين عن عمر يناهز 65 عاماً في حوالي عام 1430، وكانت قصيدتها عن جان دارك بمثابة العمل الوحيد الذي جرى كتابته خلال حياة خادمة أورليانز (جان دارك).  وبعد قرون، وصفت الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار، في كتابها المعنون بـ The Second Sex (الجنس الثاني)، عام 1949 موقف كريستين بأنه “المرة الأولى التي ترفع فيها المرأة قلمها للدفاع عن جنسها”.