«خطة ناكام».. حين حاولت منظمة يهودية إبادة 5 مدن ألمانية!

«لم أعرف قط يهوديًّا لم يكن مهووسًا بالانتقام» *يتسحاق زوكرمان، أحد قادة انتفاضة جيتو وارسو 1943 بالنسبة للكثير من اليهود في أوروبا، لم تكن نهاية الحرب العالمية الثانية نهاية حربهم مع ألمانيا النازية؛ إذ شعر الكثيرون أن المحاكمات المعقودة لبعض النازيين الكبار ليست كافية عقابًا للألمان على جرائم الهولوكوست، لذلك، وبقيادة أبا كوفنر، دبرت مجموعة […]

«خطة ناكام».. حين حاولت منظمة يهودية إبادة 5 مدن ألمانية!

«لم أعرف قط يهوديًّا لم يكن مهووسًا بالانتقام» *يتسحاق زوكرمان، أحد قادة انتفاضة جيتو وارسو 1943

بالنسبة للكثير من اليهود في أوروبا، لم تكن نهاية الحرب العالمية الثانية نهاية حربهم مع ألمانيا النازية؛ إذ شعر الكثيرون أن المحاكمات المعقودة لبعض النازيين الكبار ليست كافية عقابًا للألمان على جرائم الهولوكوست، لذلك، وبقيادة أبا كوفنر، دبرت مجموعة ناكام «الانتقام» اليهودية خطة جريئة لقتل 6 ملايين مواطن ألماني انتقامًا للمحرقة. وفي السطور التالية نحكي لك عن هذه الخطة، كيف بدأت؟ وماذا كان مصيرها؟

أبا كوفنر ونار الانتقام

اشتعلت نار الانتقام اليهودية حتى قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وتُذكر في هذا السياق العديد من الحكايات عن عصابات وفصائل يهودية استهدفت الضباط الألمان الذين كانوا بدأوا بالعودة لمنازلهم محاولين الاختلاط بمجتمعهم والتخفي من أنظار الحلفاء الذين تقدموا بخطوات ثابتة في بلادهم.

إذ سرعان ما تشكلت مجموعات يهودية أو ما عرف باسم البارتيزيان اليهودي أو المقاومة اليهودية المسلحة من أجل محاربة النازية، وكانت هذه العصابات والفصائل اليهودية تستهدف الضباط النازيين، وحين يجري العثور عليهم، كان يجري اختطافهم واقتيادهم إلى الغابات، وإطلاق الرصاص عليهم، كذلك جرى شنق آخرين في مرآبهم أو عُثر عليهم ميتين في خنادق على جانب الطريق فيما يبدو وكأنها حوادث بالسيارات.

The Jewish Plot To Kill Millions of Germans As Revenge For the Holocaust | by Grant Piper | History of Yesterday

 أبا كوفنر مجتمعًا مع منتقمي ناكام، المصدر: global identity

وفي ليتوانيا، ظهر «أبا كوفنر» مناديًا «لن نُقاد للذبح مثل الغنم»، فنظم هو وأصدقاؤه عصابة مقاومة، وتسللوا خارج الحي اليهودي بمدينة فيلنا لتنفيذ مهام تخريبية، وصنعوا القنابل، ودربوا المقاتلين، وحصلوا على أسلحة جرى تهريبها إلى الحي اليهودي في توابيت ذات قاع زائف أو عبر المجاري، وعلى الرغم من جهود أبا كوفنر ورفاقه فإن معظم سكان الحي اليهودي لم تنضم لهم، واضطر أبا كوفنر ورفاقه للهرب من المدينة بعدما حاصرها الألمان.

بينما قاد أبا كوفنر الثوار المتبقين إلى غابة «رودنيكي» حيث نفذ «المنتقمون» كما أسموا أنفسهم العديد من العمليات، فدمروا أكثر من 180 ميلًا من مسارات القطارات، وخمسة جسور، و40 عربة قطار، وقتلوا 212 من جنود العدو وأنقذوا ما لا يقل عن 71 يهوديًّا، وكان أبا كوفنر مقتنعًا بأن اليهود يمكن أن يكتسبوا احترام الذات من خلال القتال، وأنهم يجب أن يقاتلوا بصفتهم يهودًا، ومن ثم رفض أن يجري تصنيفه في مجموعات المقاومة الليتوانية أو الروسية.

ثم عاد أبا كوفنر والثوار إلى فيلنا مع الجيش الأحمر السوفيتي في السابع من يوليو (تموز) 1944، واستعادوا المدينة من الألمان في 13 يوليو (تموز) 1944، ومع ذلك لم تكن هزيمة الألمان واستعادته لمدينته كافيًا بالنسبة لكوفنر، فالانتقام من الألمان كان يمثل كل ما يشغل باله ولذلك قرر تشكيل «ناكام».

يقول عضو يهودا ميمون «ناكام» في مقابلة صحفية عام 2016: «كان من الضروري تشكيل هذه المجموعة. لا سمح الله إذا كنا قد عدنا للتو إلى الروتين بعد الحرب دون التفكير في جعل هؤلاء الأوغاد يدفعون الثمن، كان من المريع عدم الرد على تلك الحيوانات».

بينما أوضحت دينا بورات وهي كبيرة المؤرخين في نصب ياد فاشيم التذكاري في إسرائيل، في المقابلة نفسها التي جمعت يهودا ميمون، أن «المأساة الفظيعة كانت على وشك أن تُنسى، وإذا لم تعاقب على جريمة واحدة، فسوف تحصل على جريمة أخرى. هذا ما كان يقودهم، ليس فقط العدالة بل تحذيرًا، تحذيرًا للعالم بأنك لا تستطيع إيذاء اليهود بهذه الطريقة وتفلت من العقاب». 

بعد الحرب، حدد مسؤولو الحلفاء 13.2 ملايين رجل في غرب ألمانيا وحدها مؤهلين للاعتقال التلقائي لأنهم كانوا يعدون جزءًا من الجهاز النازي، لكن لاحقًا وجهت التهم إلى أقل من 3.5 ملايين من هؤلاء، وأُطلق سراح 2.5 مليون منهم دون محاكمة، ومن ثم بقي نحو مليون متهم، لكن لم يواجه معظمهم عقوبة أكبر من الغرامة أو مصادرة الممتلكات التي نهبوها، أو تقييد مؤقت على التوظيف في المستقبل، أو منع قصير من السعي للحصول على منصب عام.

الخطة «أ».. تسميم المياه في 5 مدن ألمانية 

كانت فكرة «ناكام»، المعروفة ببساطة باسم الخطة أ، هي تسميم المياه في خمس مدن ألمانية: نورمبرج، وفايمار، وهامبورج، وفرانكفورت، وميونيخ، وبحلول منتصف عام 1945، كان لدى أبا كوفنر نحو 50 مجندًا للمساعدة في تنفيذ الخطة «أ» وهكذا، متنكرين في هيئة مهندسين وعاملين، تسلل منتقمو «ناكام» إلى محطات المياه في كل مدينة مستهدفة، ودرسوا كيف يجري ضخ المياه إلى المنازل الألمانية.

وفي سبتمبر (أيلول) 1945، أبحر أبا كوفنر إلى فلسطين للحصول على السم وعلى مباركة القيادة اليهودية في فلسطين، تاركًا زوجته المستقبلية، فيتكا كيمبنر، مسؤولة عن منتقمي «ناكام» حتى عودته، وفي فلسطين، كان حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، الأكثر تقبلاً لفكرة منتقمي «ناكام» وما يريد أبا كوفنر تحقيقه، لكنه لم يكن يعلم الخطة كاملة، فقد أخبره أبا كوفنر أنه سيستخدم السم ليقتل القيادات النازية التي أفلتت من المحاكمات، ولم يخبره أنه ينوي أن يستخدم السم لقتل ستة ملايين ألماني.

وقد كان وايزمان كيميائيًّا مشهورًا، فيما كان أيضًا أحد اثنين من الرؤساء الإسرائيليين المستقبليين الذين سيتعامل معهما أبا كوفنر للحصول على السم، والثاني هو إفرايم كاتسير الذي عمل مع وايزمان، وبناءً على طلب وايزمان، أعطى كاتسير لكوفنر سمًّا مميتًا من مجرد ملليجرامات.

وهكذا، في 14 ديسمبر (كانون الأول) 1945، أبحر أبا كوفنر المسلح بعبوتين من السم، من الإسكندرية بمصر إلى طولون بفرنسا عبر سفينة بريطانية وتحت اسم مستعار، عندما ظهر ميناء طولون في الأفق، نادى أحد الضباط البريطانيون على الاسم المستعار الذي كان يسافر به أبا كوفنر عبر مكبر الصوت، خوفًا من القبض عليه أفرغ كوفنر إحدى العبوات في البحر، وأعطى مرافقه العبوة الثانية ورسالة لزوجته. 

وقد جرى القبض على كوفنر، على الأرجح بسبب القادة اليهود الذين عارضوا مؤامرته واتصلوا بالسلطات البريطانية، ومع ذلك، فقد وصلت المذكرة إلى زوجته، ووجهتها إلى «المضي قدمًا في الخطة ب» المتفق عليها مسبقًا.

الخطة «ب».. تسميم خبز معسكر أسرى نازيين

تحت القيادة الجديدة لجوزيف هارماتز، جرى استهداف معسكر الحلفاء «شتالاج الثالث عشر-د»، المخصص لأسرى الحرب في نورمبرج، وكان يضم نحو 12 ألف سجين نازي، ولأن منتقمي «ناكام» لم يتخلصوا  من ستة ملايين ألماني، إلا أنه على الأقل يمكنهم التخلص من آلاف النازيين. 

Stalag 13 History: What Really Happened There?

مخيم شاتلاج الثالث عشر – المصدر: uncommon-travel-germany

بدلًا من تسميم إمدادات المياه للنازيين، استهدف المنتقمون حصص النازيين من الخبز، إذ تمكن منتقمو «ناكام» من زرع أحد رجالهم في المخبز، وفي إحدى الليالي على مدار عدة ساعات تمكنوا من تغطية خبز الأيام التالية للمعسكر بما حسبوا أنه جرعة قاتلة من الزرنيخ، وتظهر الوثائق الأمريكية أنه بعد التحليل كانت حساباتهم صحيحة، وأن الخبز كان يجب أن يقتل 3 آلاف من نزلاء «شتالاج الثالث عشر»، في الواقع، لقد استخدموا ما يكفي من الزرنيخ لقتل عشرات الآلاف.

لكن ولسبب ما فشلت الخطة، فعلى الرغم من تسبب السم في إصابة معظم الأسرى بالمرض بدرجات متفاوتة، ولكن لم يتجاوز الأمر التسبب في الكثير من الألم وعدم الراحة وفي بعض الحالات ضرر دائم، وتظهر الوثائق التي جرى إصدارها حديثًا عدم وقوع أي وفيات، على الرغم من الادعاءات السابقة بعكس ذلك.

لماذا نجا السجناء؟ السبب غير معروف حتى اليوم، ربما نبهت ضحية مبكرة الآخرين ولم تناولوا ما يكفي من الخبز ليصبح جرعة قاتلة، وربما تفاعل الخبز مع السم بشكل مختلف، وربما بعد أن وضعوا السم على الخبز أصبح أضعف.

في النهاية وعلى الرغم من جهود «ناكام»، فشلت الخطة «ب» مثلما فشلت الخطة «أ» واضطروا إلى الهروب، وانتقلت المجموعة إلى إسرائيل واستمرت أنشطتها لنحو عقد أو أكثر، حيث استخدموا إسرائيل قاعدة انطلاق لصيد النازيين الذين هربوا إلى إسبانيا الفاشية في ذلك الوقت أو إلى أمريكا الجنوبية، لكن هروب النازيين ومطاردة قوات الانتقام اليهودية لهم قصة أخرى.

في النهاية، لم يُتهم أبا كوفنر ولا أي عضو آخر من أعضاء «ناكام» بأي جرائم تتعلق بهذه المؤامرات، وبعد عقود، حقق المدعون الألمان في الأمر لكنهم لم يوجهوا اتهامات بسبب أن هذه الحادثة كانت «ظروف استثنائية».

بالطبع ونظرًا إلى لظروف، فإن ألمانيا تحاول دائمًا تجنب أي موقف تكون فيه خصمًا للمجتمع اليهودي، خاصة وأن المجتمع اليهودي في ألمانيا دائم التذكير بالهولوكوست، ودائمًا ما يستخدم ورقة «معاداة السامية»، بسبب وبدون سبب.

مجتمع

منذ 7 سنوات
بعدما دفعت ألمانيا المليارات، فرنسا تدفع لضحايا الهولوكوست أيضًا

ففي تقرير نشرته «رويترز» عام 2020 بعنوان «لا تنسوا الماضي، زعيم يهودي يحذر الألمان عشية ذكرى الحرب العالمية الثانية» قال جوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، لإحدى الصحف الألمانية إن «الحكومة الألمانية تعرف مسؤوليتها الدائمة عن الحقبة النازية. إذا درست ألمانيا على أنها دولة، بكل سكانها، وسألتنا عما إذا كانوا قد فهموا وتعلموا من التاريخ أيضًا، فيجب أن أقول إنني لم أكن مقتنعًا أبدًا، وفي الوقت الحالي أنا بالتأكيد لست كذلك».

لذلك وحتى اليوم، تواجه ألمانيا دائمًا موقفًا صعبًا حينما يتعلق الأمر بإسرائيل أو باليهود بشكل عام، خوفًا من اتهامات معاداة السامية وهربًا من ماضيهم، وعلى الرغم من وجود خطة بقتل ستة ملايين ألماني أغلبهم مواطنين أبرياء، لم تتمكن ألمانيا من الهرب من مصيدة «معاداة السامية»، وربما لن تهرب أبدًا.