«حياد» بطعم الانحياز.. كيف تناولت الصحافة العالمية اغتيال شيرين أبو عاقلة؟

كانت شيرين أبو عاقلة «صوت فلسطين في كل بيت عربي»، على حد وصف صحافي دولي لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية. وهي «الصوت النابض الذي وثَّق معاناة الفلسطينيين» تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، كما ذكرت شبكة «سي إن إن»، ولكن هذه التوصيفات لم تكن لتقف على السبب الرئيسي وراء استشهادها، أو لتوجه الاتهام مباشرة للمسؤولين عنه. تدفقت التغطيات منذ […]

«حياد» بطعم الانحياز.. كيف تناولت الصحافة العالمية اغتيال شيرين أبو عاقلة؟

كانت شيرين أبو عاقلة «صوت فلسطين في كل بيت عربي»، على حد وصف صحافي دولي لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية. وهي «الصوت النابض الذي وثَّق معاناة الفلسطينيين» تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، كما ذكرت شبكة «سي إن إن»، ولكن هذه التوصيفات لم تكن لتقف على السبب الرئيسي وراء استشهادها، أو لتوجه الاتهام مباشرة للمسؤولين عنه.

تدفقت التغطيات منذ صباح أمس 11 مايو (أيار) 2022 حول استشهاد الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة على أبواب مخيم جنين، الذي كانت قد هرعت إليه لتغطية الاقتحام المرتقب من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي. وبينما ضج العالم العربي لهذا الخبر، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالشجب والاستنكار، تناولت الصحافة الغربية الخبر بحيادية غالبة، تبدو منحازة للمحتل الإسرائيلي. وفي السطور التالية، نستعرض أبرز العناوين في التغطيات التي نشرتها الصحافة الغربية حول حادث الاغتيال، والتي اتخذت موقفًا حياديًّا كان منحازًا على الأغلب للرواية الإسرائيلية، تجاه اتهام جيش الاحتلال الإسرائيلي مباشرة في اغتيالها، برغم بعض «التعاطف» الذي ظهر أحيانًا – على استحياء- مع ملابسات استشهادها.

«الجارديان»: «صحافية الجزيرة قُتِلت»!

أشادت صحيفة «الجارديان» البريطانية، في تغطيتها خبر استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة، بعملها الصحفي بوصفها شاهدة على الاحتلال الإسرائيلي وتغطيته، وكونها وجهًا مألوفًا وصوتًا ينقل حكايا الجانب الفلسطيني. ونقلت عن تمارا الرفاعي، المتحدثة الرسمية باسم الأونروا قولها: «شيرين أبو عاقلة هي صوت الوقائع التي تجري في الأراضي الفلسطينية ووجهها، ولا يمكن متابعة أخبار الضفة الغربية دون مشاهدة تقاريرها».

ونقلت التغطية شهادات زملاء شيرين وأصدقائها الذين فُجعوا باغتيالها، ومنهم مزنة الشهابي التي قالت: «كانت شيرين شخصية مرنة للغاية، فقدت والديها في سن مبكرة، لكنها تجاوزت ذلك ودرست الصحافة في وقت كان الصحافيون في العالم العربي مجرد أتباع لحكوماتهم».

ونقلت «الجارديان» الفيديو الذي أذاعته قناة الجزيرة لتوثيق لحظات استشهاد شيرين أبو عاقلة، ومحاولات زملائها والمحيطين إسعافها في ظل تواصل إطلاق النار وصعوبة الوصول إليها، معنونة الفيديو بـ«صحفية قناة الجزيرة قُتلت في الضفة الغربية»، بصيغة المبني للمجهول.

وفي تغطيتها الثالثة، نقلت الصحيفة البريطانية «اتهام» قناة الجزيرة قوات الاحتلال الإسرائيلية بالقتل العمد لمراسلتها ودعوة المجتمع الدولي لإدانة إسرائيل بالقتل العمد جنبًا إلى جنب مع الرواية الإسرائيلية التي اتهمت المسلحين الفلسطينيين بالمسؤولية عن الحادث بداية، لتعود وتتراجع عن اتهاماتها وتقول على لسان قائد الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، إن الصورة غير واضحة الآن ولا نعلم برصاص من قُتلت، وختمت بسرد تاريخي لمجريات الأحداث السابقة التي تشير إلى «وجود صراع وكر وفر بين الطرفين على حدٍّ سواء».

«نيويورك تايمز».. من «ظروف غامضة» إلى تدارك هش!

في أولى تغطياتها عقب استشهاد شيرين أبو عاقلة نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» المعروفة بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان يوم أمس، تقريرًا بدأ في أولى فقراته الافتتاحية بالإشارة إلى ظروف إطلاق النار عليها كانت «غير واضحة»، في محاولة لإظهار أن الشهيدة «ضحية لتبادل إطلاق نار بين مسلحين فلسطينيين وجيش الاحتلال»، لكن في تغطية ثانية نشرت «نيويورك تايمز» تقريرًا ثانيًّا أكثر شمولاً وبدا «متعاطفًا» مع استشهاد شيرين أبو عاقلة ذاكرًا مواقفها في تغطيات فظائع الاحتلال منذ عام 2000، وبرغم ذلك لم يشر التقرير الثاني إلى المنصة الشهيرة بإصبع اتهام رسمي لجنود الاحتلال في استشهاد شيرين أبو عاقلة، وفضلت «نيويورك تايمز» استخدام «حياد» مستمر وتقديم رواية الطرف الإسرائيلي أمام ما أسمته الجريدة «اتهام» قناة الجزيرة لإسرائيل باغتيال شيرين أبو عاقلة.

«التليجراف»: شيرين أبو عاقلة قُتلت بنيران مجهولة المصدر!

«الملابسات المحيطة باستشهاد شيرين أبو عاقلة لا تزال مبهمة وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي»؛ هكذا رأت صحيفة «التليجراف» البريطانية الحادث، ونقلت في تقريرها الرواية الفلسطينية والإسرائيلية على حدٍّ سواء. وأشارت إلى دعوة جيش الاحتلال لإجراء تحقيق مشترك للوصول لصاحب الرصاصة القاتلة. وعللت في نهاية التقرير سبب الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين بأنه جاء نتيجة ما أسمته «التليجراف» بـ«الهجمات المميتة التي نفذها أشخاص من المخيم ضد المدنيين الإسرائيليين».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ يومين
شيرين أبو عاقلة.. صوت فلسطين الذي اغتاله الاحتلال

«بي بي سي»: تنقل شهادة مرافقي شيرين أبو عاقلة وقت الاغتيال

ونقلت شبكة «بي بي سي» البريطانية في إحدى تغطياتها شهادة منتج قناة الجزيرة، علي السمودي، الذي كان برفقة الصحافية الراحلة، إذ قال: «كنا بصدد تصوير اجتياح الجيش الإسرائيلي للمخيم حين بدأ الجيش بإطلاق النار علينا دون تحذيرنا أو طلب وقف التصوير. أصابتني الرصاصة الأولى، واستقرت الثانية في رأس شيرين أبو عاقلة، ولم يكن هناك مقاومة فلسطينية مسلحة في المشهد على الإطلاق».

«الإندبندنت»: «إطلاق النيران كان عشوائيًّا»

وتأسف صحيفة «الإندبندنت» البريطانية لاستشهاد الصحافية في خضم الصراع ذاته الذي حاولت تغطيته جاهدة على مدى ثلاثة عقود تقريبًا، لكن خلت التغطية من الإشارة إلى مسؤولية جيش الاحتلال الإسرائيلي عن استشهادها، وهي في كامل زيها الصحفي، بل اكتفت الصحيفة بإلقاء اللوم على النيران مجهولة المصدر، في انتظار التحقيق الذي دعت له الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة وبريطانيا.

ونقلت الصحيفة أيضًا شهادة محمد دراغمة، رئيس مكتب قناة الشرق الإماراتية الذي قال: «لم تكن هناك اشتباكات بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي وقت إصابة شيرين أبو عاقلة وعلي السمودي. ومن الواضح أنهما أصيبا برصاص جنود الاحتلال. لم يكن هناك اشتباك وكان الصحافيون بعيدين عنهم».

وأشارت «الإندبندنت» في تغطية أخرى إلى الرواية الإسرائيلية التي تقول إن جنود الجيش الإسرائيلي تعرضوا لهجوم كثيف من جانب المسلحين الفلسطينيين، وردوا بإطلاق النار تجاه الفلسطينيين. وذكرت ما جاء في بيان وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن «الإرهابيين الفلسطينيين الذين كانوا يطلقون النار عشوائيًّا، ربما هم من أصابوا مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة».

واختارت «الأسوشيتد برس» أن تفتتح تقريرها حول استشهاد شيرين أبو عاقلة بوعد وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني جانتس، بفتح تحقيق شفاف حول الحادثة، والذي قال إنه على اتصال مع المسؤولين الأمريكيين والفلسطينيين. وأشارت إلى أن مقتل شيرين أبو عاقلة ربما يستحث وجود رقابة جديدة على نظام القضاء العسكري الإسرائيلي الذي تدققه محكمة الجنايات الدولية بوصفه جزءًا من اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب. كما أن هناك مشكلة أخرى تهدد  بتصعيد التوتر بين إسرائيل ووسائل الإعلام الدولية في حال ثبوت إدانتها بقتل شيرين أبو عاقلة.

«واشنطن بوست»: جيش الدفاع الإسرائيلي يقتل «مراسلة أمريكية»

نسبت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية الصحافية شيرين أبو عاقلة إلى الولايات المتحدة، في عنوان تقريرها الذي كتبته حول حادثة استشهاد المراسلة، كونها تحمل الجنسية الأمريكية، ونقلت «اتهام» الشبكات الفلسطينية جيش الدفاع الإسرائيلي بقتلها.

ونقلت الصحيفة اتهامات قناة «الجزيرة» لجيش الاحتلال بأنه قتل شيرين بدم بارد بالرغم من كونها ترتدي الزي الصحفي. وأشارت إلى شهود العيان الذين نفوا الرواية الإسرائيلية وأكَّدوا أن المنطقة كانت هادئة عندما أُطلق الرصاص على الصحافيين، ولم تكن هناك مواجهات مع الفلسطينيين على الإطلاق.

ولفتت الصحيفة إلى بيان المسؤول الإسرائيلي الكبير الذي كان قد أرسله إلى الصحافيين مرفقًا بما يقول إنه لقطات فيديو تدل على أن شيرين قُتلت بيد الفلسطينيين؛ إذ يُسمع صوت فلسطيني يقول إنه أصاب جنديًّا إسرائيليًّا في حين لم تقع أي إصابات في صفوف الجيش المحتل، ويرى المسؤول أن شيرين هي من يشير إليها الفلسطيني المسلح.

وأوضحت الصحيفة أن باحثًا ميدانيًّا من منظمة بتسليم الإسرائيلية لحقوق الإنسان شارك مع المراسلين خريطة تشير إلى مكان استشهاد شيرين والمكان الذي يصور الأحداث في بيان المسؤول الإسرائيلي، واتضح أن المكانين يبعدان بعضهما عن بعض مسافة 950 قدمًا (300 متر) تقريبًا.

وأفردت الصحيفة مساحة كبيرة من تقريرها لشهادة علي السمودي وشهود العيان الآخرين، والإشادة بإسهامات شيرين أبو عاقلة الصحفية.

«سي إن إن»: شهود عيان يوجهون أصابع الاتهام إلى الجيش الإسرائيلي

أشارت التغطية الصحفية لشبكة «سي إن إن» الأمريكية إلى أن الخبر المؤكد هو أن شيرين أبو عاقلة قد استشهدت برصاصة في الرأس، وفقًا لتقرير وزارة الصحة الفلسطينية. وقالت إن الملابسات حول استشهاد شيرين ليست واضحة تمامًا، ولكن شهود عيان أوضحوا لشبكة «سي إن إن» أنها قُتلت برصاص الجيش الإسرائيلي، وأنه لم يكن هناك مسلحون فلسطينيون في المنطقة التي استُهدفت فيها شيرين أبو عاقلة وزملاؤها.

وقال صحافي يعمل لدى شبكة «سي إن إن» وكان موجودًا في جنين وقت الحادث: إن شيرين أبو عاقلة وزملاءها عرَّفوا عن أنفسهم للجيش الإسرائيلي قبل إطلاق النار عليها وعلى زميلها علي السمودي. وقال الصحافي مجاهد السعدي إن «الاحتلال استهدف شيرين وهي ترتدي الخوذة وأصابها في منطقة ما تحت الأذن، وواصلوا إطلاق النار علينا بعد سقوطها ولم نستطع إسعافها».

وأشارت الشبكة في تغطية أخرى إلى شيرين بأنها الصحافية الفلسطينية الأمريكية ووصفتها بأنها كانت الصوت النابض لمعاناة الفلسطينيين. وأشادت بجهودها الصحفية على مدى أكثر من عقدين من الزمان لتأريخ معاناة الفلسطينيين تحت نير الاحتلال الإسرائيلي.

وأشارت التغطية إلى التاريخ العريق لشيرين أبو عاقلة طيلة مسارها المهني، وإثارتها للجدل في الشرق الأوسط والشرق على حدٍّ سواء، لاستضافتها شخصيات عربية معارضة ومثيرة للجدل مثل أسامة بن لادن. كما أنها كانت من أوائل من استضاف المسؤولين الإسرائيليين على الشاشة في وقت كانت لا تعترف معظم الدول العربية بالكيان الإسرائيلي.

«فرانس 24» و«دويتشه فيله»: تغطيات خاصة حول حادث الاغتيال

نقلت شبكة «فرانس 24» خبر استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة من خلال تقرير أعدته حول إنجازاتها مشيرة إلى أنها استشهدت أثناء عملها الذي وضعت بصمتها في عالمه وكانت به مصدر إلهام للكثيرات حول العالم. وقالت مراسلة «الجزيرة» الدولية هدى عبد الحميد لوكالة «فرانس برس» عبر الهاتف من أوكرانيا إن شيرين أبو عاقلة «لم تكن تكلُّ قط، كلما حدث أمر كانت دائمًا هناك لتروي القصة».

ثم أفردت الشبكة بعد ذلك تقريرًا مصورًا حول الحادثة وأجرت لقاءات مع شهود العيان الذين أكدوا أن الجيش الإسرائيلي هو من أطلق النار على شيرين. ونقلت البيان الإسرائيلي الذي يذكر أن هناك احتمالًا كبيرًا أن تكون شيرين استشهدت برصاص المسلحين الفلسطينيين.

أما «دويتشه فيله» الألمانية فنقلت الخبر واتهامات الجزيرة لجيش الاحتلال باغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة بدم بارد. بينما نقلت عن مراسلتها في القدس، تانيا كرامر، قولها إن الملابسات «ما زالت غير واضحة». ونقلت تغريدة يائير لبيد التي طالب فيها بوجوب حماية الصحافيين في مناطق الصراع قائلًا إن المسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا للوصول إلى الحقيقة. ولفتت الصحيفة إلى تأكيد السفير الأمريكي لدى إسرائيل، تيم نيدس، أن شيرين مواطنة أمريكية، داعيًا إلى «إجراء تحقيق شامل في ملابسات وفاتها».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ يوم
على مرمى رصاصة.. أكثر من 70 صحافيًّا سرق الاحتلال الإسرائيلي أعمارهم

وبالطبع لم تقدم الروايات الرسمية الإسرائيلية في استشهاد شيرين سوى اتهام (المسلحين الفلسطينيين) و«احتمال» كونهم وراء مصرعها، ولم يكن هناك إدانة لجيش الاحتلال إلا على استحياء من قبل جريدة «هآرتس» الإسرائيلية التي وصفت استشهاد شيرين أبو عاقلة بأنه «يُظهر وحشية» الاحتلال.