"حضارة السمكة الحمراء": ماذا لو أن العالم مجرّد أكواريوم؟

لا يمكن الفصل بين الطبعة الجديدة لكتاب برونو باتينو وسياق كورونا، على الرغم من أنه يتناول بالدرس القدرة الاستحواذية لصناعات الويب لا أكثر، فقد أمدّت الجائحة العمل بأفق قراءة جديدة وهو ربما ما دفع إلى تحويله إلى "كتاب جيب".

"حضارة السمكة الحمراء": ماذا لو أن العالم مجرّد أكواريوم؟
في نيسان/إبريل 2019، صدر كتاب "حضارة السمكة الحمراء" للصحافي الفرنسي برونو باتينو (1965) عن منشورات غراسيه. عنوانٌ لافتٌ على غموضه، مؤلفٌ مشهور، دار نشر كبيرة؛ تبدو كل العناصر قد اجتمعت لنجاح جماهيري لعمل يتحدّث أساساً عن فكرة شدّ الانتباه، حيث يحمل الكتاب عنواناً فرعياً "مصنّف موجز حول اقتصاد الانتباه". مضت سنة على صدور الكتاب لنجد أنه أحد أكثر الكتب الفرنسية مبيعاً في قوائم المكتبات وفي موقع أمازون، وها هو يحظى بطبعة جديدة عن مؤسسة "لو ليفر دو بوش" (كتاب الجيب) وبأقل من نصف ثمنه السابق. ويعني تحوّله إلى "كتاب جيب" أنه عمل قد دخل سريعاً ضمن الكتب الشعبية وأن أرقام مبيعاته سوف تتطوّر بنسق أعلى مستقبلاً، الأمر الذي يحصل بشكل غير منتظم مع الكتب الفكرية، على عكس المؤلفات الأدبية. لا يمكن الفصل بين الطبعة الجديدة وسياق كورونا، على الرغم من أن الكتاب يتناول مسألة تبدو بعيدة كل البعد عن الأوبئة وما يتقاطع معها، حيث يتحدّث عن القدرة الاستحواذية لـ"صناعات الويب"، غير أن ما فعَلته فترة الحجر الصحي (قرابة شهرين في فرنسا) من تكثيفٍ لعلاقة البشر مع المواد الافتراضية قد أمدّ الكتاب بأفق قراءة جديد، وقد بات الربط جائزاً - وربما بديهياً - بين صورة السمكة في الأكواريوم وأي مواطن يُمضي كامل يومه بين جدران شقته الصغيرة في أحد عمارات باريس أو غيرها من المدن الفرنسية. لم يكن هذا الربط يخطر ببال باتينو حين وضع كتابه، ولا أحد كان يتصوّر أن يُمضي الناس ربيع 2020 في بيوتهم. كان وجه الشبه الذي التقطه بين الإنسان المعاصر والسمكة الحمراء قائماً على دراسة ضمن العلوم العصبية تشير إلى أن السمكة الحمراء لا تستطيع أن تركّز على أمر أكثر من تسع ثوان. يرى المؤلف أن جلوس الإنسان أمام شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر أو الهاتف يحوّله إلى "سمكة في الأكواريوم" فحين يريد تعميق معرفته بقضية ما سرعان ما تعالجه القناة الإخبارية أو الموقع الذي يتصفّحه بأنباء عن أحداث وقعت هنا وهناك من خلال مواد أخرى تقترحها عليه، وحين يتهيّأ لسماع موسيقى على النت ليس نادراً أن تقطع متعته ومضة إشهارية، وحتى حين يقرّر أن يتفرّج في فيلم على نتفليكس مثلاً فإن الترشيحات التي تقدّمها خوارزميات معقدة قد تقنعه بأنه يوجد فيلم للفرجة أكثر أولوية من الفيلم الذي كان يودّ مشاهدته. يَعتبر باتينو أن مثل هذا الوضع قد يكون مقدمة لأشكال جديدة من العبودية، وأن هذه العبودية قد تكون في زمن قريب جوهر الحياة اليومية للبشر. يُذكر أن باتينو يشغل منذ 2015 منصب مدير الفرع الفرنسي لقناة arte ومن الواضح أن ما تقدّمه القناة مؤخراً يخدم محاولاته، التي تتجلى في كتبه، بـ"تحرير الإنسان المعاصر" من عدة أغلال قد لا ينتبه لها، من كواليس عالم المال إلى مقررات التعليم. من مؤلفات باتينو قبل "حضارة السمكة الحمراء"؛ "بينوشيه يغادر" (2000)، و"صحافة دون غوتنبرغ" (2005، بالاشتراك مع جان فرانسوا فوغيل)، و"تلفزيونات" (2016).