جبل الغياب وقصيدتان لبورخس

مرّ أكثر من خمسين سنة بين ذلك الشابّ الذي كتب عن حضور الغياب الذي لا يمكن الإفلات منه، ذلك الحضور الذي يحيط بالكينونة كما يحيط حبل المشنقة بالمحكوم عليه بالإعدام، الإعدام لمن يحبّ. حضور ذلك الغياب الذي يغطّي الجبال والوديان.

جبل الغياب وقصيدتان لبورخس

مرّ أكثر من خمسين سنة بين ذلك الشابّ الذي كتب عن حضور الغياب الذي لا يمكن الإفلات منه، ذلك الحضور الذي يحيط بالكينونة كما يحيط حبل المشنقة بالمحكوم عليه بالإعدام، الإعدام لمن يحبّ. حضور ذلك الغياب الذي يغطّي الجبال والوديان، فما من وادٍ تُخبّأ فيه الروح فلا ترى ذلك الغياب الساطع. حضور ذلك الغياب الذي يحيط بالنفس من كل جانب كما يحيط البحر بالغارق. يقرأ الهارب في الوديان - باحثًا عن مكان يخبّئ فيه روحه - هذه الأبيات، فتقع عليه كالسهم الذي لا يخطئه. لم ينقص الغياب الذي وصفه بورخيس سوى ما قاله النابغة الذبياني قبل حوالي ألف وثلاثمئة سنة:

فإنَّكَ كالليلِ الذي هو مُدركي ... وإن خِلتُ أن المُنتأى عنكَ واسِعُ

هذا غياب يجعل الحياة كالجبل الشاهق يقف أمامه ظلٌّ هزيل يخاطبه:

عليّ لكي أحيا أن أرفع هذا الجبل، وأعيد بناءه من جديد. هذا الجبل الذي هو صورة الغياب.

بعد خمسين عامًا يعود ذلك الحضور، وكأنه نبأ باقتراب وصول جيش لا قبل للمرء به. هذا التهديد الذي يجعل منتظره يدرك ضآلة ما يملك في حضور الحب. هو الحبّ، هذا الحضور المزلزل. لكن هذا الحضور يرتفع بأسوار سجنه، وليس كالبحر الذي لا تُرى أسواره. كلما تقدَّم في العمر واجتمعت في يده ومن حوله الدروع والحصون تكشّفت له عن عدم نفعها في دفع قدوم ذلك الحضور الذي يلغي كل حضور سواه. الحضور المتضفّر بالغياب: هذه الغرفة غير حقيقية؛ فهي لم ترها. 
(أحمد)


قصيدتان لخورخي لويس بورخيس


غياب

لا بُدَّ لي من أن أحمل هذه الحياة الشاسعة
التي ما زالت إلى الآن هي انعكاس صورتِك
كلّ صباحٍ سيكون عليّ أن أشيَّدها من جديد

منذ ابتعدتِ
ما أكثر الأماكن التي استحالت بلا قيمة
ولا معنى،
كالأضواء في النهار

لياليَ كانت عُشًّا لصورتك
ألحانًا كنتِ دائما تنتظرينني فيها
كلماتٍ من ذلك الزمان
سيكون عليّ أن أحطّمها جميعًا بيديّ

في أي وادٍّ أخبّئُ روحي
لكي لا ترى غيابَكِ 
غيابك الساطع كشمس رهيبة
لا تغرب،
بلا مواربة ولا رحمة.

غيابك يحيط بي
كالحبل بالحنجرة
كالبحر بمن يغرق.


■ ■ ■


المُهَدَّد

هو الحبُّ؛ لا بُدَّ لي من الاختباء أو الهرب
ترتفع أسوار سجنه، كما يحدث في حُلمٍ بشع
تَغَيَّرَ القناعُ الجميلُ، لكنَّه نفسُ القناع كما كان دائمًا
بأيِّ شيء ستنفعُني تعاويذي: ممارسةُ الأدب،
سعةُ الاطلاع الحائرة، تَعلُّمُ الكلماتِ التي استخدمها الشّمالُ الوَعْر
ليغنّي بحارَه وسيوفَه،
الصداقةُ الوديعةُ، ممرّاتُ المكتبة، الأشياءُ العادية،
العاداتُ، حبُّ أمي الشابُّ، ظِلُّ موتاي العسكريّ،
الليلُ السرمديُّ، طعمُ النوم؟
أن أكونَ معكِ أو لا أكونَ معكِ
هذه هي وحدة قياس زمني
ها هو الإبريق يتحطّمُ على النبع، والإنسانُ ينهضُ
على صوتِ الطائر، وقد أظلمَ الذين ينظرون
من الشرفاتِ، على أنّ الظلّ لم يأتِ بالسلام
إنَّه -قد علمتُ- الحبُّ: القلقُ، والارتياحُ لسماع صوتِكِ، الانتظارُ
والذاكرةُ، والرعبُ من العيش فيما سيأتي
إنه الحبُّ بأساطيره، بأسحاره الصغيرة عديمة الفائدة
هناك ناصية لا أجرؤ على المرور منها
ها هي والجحافل الجيوش تشيّدُ أسياجها من حولي
هذه الغرفة غير حقيقيّة؛ (فهي لم ترها)
يشي بي اسمُ امرأةٍ حين يُقال
تؤلمني امرأة في جسدي كُلِّه.


* شاعر ومترجم مصري مقيم في كولومبيا، والقصيدتان من ترجمته