بعد 19 عاماً من الصراع والقتال.. كيف استطاعت طالبان إجبار أمريكا على توقيع اتفاقٍ للسلام؟

بدأت القصة في عام 1994م، حين ظهرت قوة طالبان على الأرض الأفغانية، بعد تفاقم تناحر قادة المجموعات الإسلامية على الحكم، تشكل أغلب رواد هذه الحركة الجديدة ممن ينتمون إلى طلاب العلوم الدينية، وبعد مرور عامين تمكنت طالبان من الاستيلاء على كابل العاصمة. حكمت طالبان أجزاء كبيرة من أفغانستان من (1996-2001)، وبعد تفجيرات الحادي عشر من […]

بعد 19 عاماً من الصراع والقتال.. كيف استطاعت طالبان إجبار أمريكا على توقيع اتفاقٍ للسلام؟
بدأت القصة في عام 1994م، حين ظهرت قوة طالبان على الأرض الأفغانية، بعد تفاقم تناحر قادة المجموعات الإسلامية على الحكم، تشكل أغلب رواد هذه الحركة الجديدة ممن ينتمون إلى طلاب العلوم الدينية، وبعد مرور عامين تمكنت طالبان من الاستيلاء على كابل العاصمة. حكمت طالبان أجزاء كبيرة من أفغانستان من (1996-2001)، وبعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة أصبح أسامة بن لادن وتنظيمه على رأس الأهداف المرسومة في استراتيجية الولايات المتحدة، وبسبب إيوائه من قبل حركة طالبان في أفغانستان، أعلنت الإدارة الأمريكية أن بن لادن سعودي الجنسية يمثل العدو الأول للولايات المتحدة واتهمته بأنه وراء التخطيط لعمليات تدمير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، وبدأت بتحرك نشط تحت شعار بناء تجمع دولي لمكافحة الإرهاب، وشمل هذا النشاط الكثير من دول العالم. قدرات الطرفين العسكرية على أثر تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أظهر الرئيس بوش ميلاً جارفاً للانتقام من تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن باعتباره المسؤول عنها، فكان الهدف أفغانستان وحركة طالبان باعتبارها تأوي التنظيم وزعيمه، وقتها بدت القدرات العسكرية بينالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وحركة طالبان غير متوازنة، على صعيد التحالف الدولي فقد اتخذ تدابير استراتيجية تمهيداً لتدمير معقل بن لادن وتنظيم القاعدة فكانت مكونات القوة الأمريكية والحليفة لها مبنية على: القوات الجوية والصاروخية، وتكونت من حاملات طائرات “كارل فنسن” و”انتر برايز” “روزفلت” مع طائرات (B-52) و(B-1) وحاملة الطائرات “كيتي هوك” وشاركت بريطانية بحاملة طائرات “ريلاستريوس”، بالإضافة لطائرات (U2) و(غلوبال هوك) لأغراض التجسس، ومجموعة من طائرات الهليكوبتر. القوات البرية، بعد دراسة مستفيضة لتقارير الاستخبارات التي حصلت عليها الولايات المتحدة خلال فترة قصيرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، فكان الأمر بتهيئة مجموعات خاصة تتحمل ظروف وقساوة شتاء أرض، فتكونت القوات البرية من الكتيبة (26) مشاة البحرية “مارينز” وقوتها (2200) مقاتل، والكتيبة (75) “Ranger” صاعقة وقوتها (1500) مقاتل، وقوة برية بريطانية قوامها 23 ألف عنصر بري، وقوة خاصة “أسترالية” قوامها 1500 مقاتل. القوات البحرية، شملت غواصات أمريكية مخصصة لإطلاق صواريخ عابرة من طراز “توماهوك”، ومجموعة من 14 سفينة أمريكية في المحيط الهندي لنقل المؤن إلى القوات الخاصة الموجودة على الأرض الأفغانية، وأربع مدمرات، وخمس كاسحات الغام وثلاث غواصات نووية بريطانية لمؤازرة البحرية الأمريكية، كما تم تهيئة مركز التنصت البريطاني الموجود في جزيرة قبرص لاستلام المكالمات عبر أفغانستان. أما مكونات القوة والتسليح لدى حركة طالبان فتكونت من الاسلحة “سوفيتية” الصنع حصلت عليها حركة طالبان جراء هروب أعداد غفيرة من الجيش الأفغاني والتحاقهم بالجماعات المسلحة بعد الغزو السوفييتي، وكذلك من بقايا الأسلحة المصرية “صنع سوفييتي” التي جرى تسويقها إلى أفغانستان عبر باكستان باتفاق أمريكي لمقاومة الشيوعية، وبقياس تسليح جيوش دول الجوار فإن الحركة تبقى متأخرة بفارق كبير، فالمتيسر لديهم بنادق آلية، وهاونات ومدفعية من عيار (122) ملم و(130) ملم ودبابات بأعداد قليلة من طراز (T-55) (T-54) أما طائراتهم المقاتلة فإن أحدث ما لديهم من طراز (MIG-21)  القديمة، تلقى أفراد الحركة المعرفة وتراكمت لديهم الخبرة بقليل من القتال مما مكنها من السيطرة على كابل العاصمة والاستيلاء على 85% من أرض أفغانستان في عام 1996. في يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001 بدأت القوات الجوية الأمريكية والحليفة والأسلحة الصاروخية من طراز (كروز وتوماهوك) وسواها بضرب المدن والأهداف المختلفة في أفغانستان، وخلال أسبوع واحد تم إطلاق أكثر من 2000 صاروخ، وتبعها نهاراً قيام المقاتلات الأمريكية بقصف القواعد الجوية ومقرات الحركة، مع تركيز مكثف على دفاعات الحركة في المناطق الامامية المواجهة لقوات التحالف الشمالي في منطقة مزار الشريف، ويبدو أنه على إثر الضربات القوية، قررت الحركة الانسحاب والاختفاء من المدن والتمركز في الجبال والقرى البعيدة، والانتقال لمرحلة جديدة من حرب العصابات الحقيقية التي تجيدها الحركة بدلاً من الدفاع عن المدن بما يتطلبه ذلك من حشد قوات ستصبح تحت رحمة القصف الأمريكي. تكتيكات حركة طالبان القتالية نشأ وترعرع رجال قبائل “البشتون” الذين يملؤون صفوف طالبان داخل ثقافة حرب العصابات، وتعلم معظمهم القتال في سن مبكرة، وكان جنودها ذوي لياقة عالية بالفطرة، آلفين للبندقية، ومعتادين على المشقة والمخاطر الشديدة، وقد كانوا فاهمين لقواعد النيران والمناورة، والتحرك بسرعة عبر التضاريس الصعبة بالفطرة، كما أنهم ضليعون في التملّص والهروب، ويعرفون تماماً كيف يتم تجنب الضربات المدفعية والجوية. ساعدت الطبيعة الريفية للحرب في أفغانستان طالبان على الانتشار في نطاق واسع بين العديد من القرى والمدن، وهو ما فرض على قوات التحالف الانتشار أيضاً في العديد من القواعد الصغيرة “المتباعدة”، ما يطيل عادةً الطريق على حركة الإمداد، ويجعل مراكز القواعد عرضة للهجمات المركزة، وهنا بات تأمين الطرق بالكامل أمراً مستحيلاً عبر هذه المسافات الطويلة. تعتبر كمائن الكر والفر التكتيك المفضل لطالبان، حيث إن خطورتها بالنسبة لهم قليلة مقارنة بالتكتيكات التقليدية، كما أنها لا تتطلب خبرةً واسعة وأعداداً كبيرة من المقاتلين، معظم كمائن الحركة هي كمائن كر وفر من خلال تثبيت الهدف باستخدام العبوات الناسفة وقذائف الآربي جي ونيران الأسلحة الصغيرة، ثم الالتفاف عليه وتطويقه والاقتراب منه، لهذا التكتيك امتياز الاحتفاظ بالمبادرة ومكنهم من الإفلات دون أن يصابوا، جعلت المسافات الكبيرة جداً والتضاريس فائقة التعقيد منع هذا النوع من الهجمات بشكل نهائي أمراً مستحيلاً، بالإضافة لتأثيراته المدمرة على القدرات اللوجستية لأي جيش نظامي. أيضاً الجانب الاستخباري كان له دور واضح في نجاح تكتيكات القتال لطالبان، من خلال تجنيد شبكةً واسعة من المخبرين والمراقبين الأماميين الذين يراقبون عن كثب تحركات قوات التحالف، سواء الراجلة أو الراكبة أو المروحية، لذا، هذا الجانب منحهم دراية مسبقة بمعظم الدوريات والقوافل وحركتها. ومن ضمن التكتيك المتبعة، الهجوم المتكرر على المواقع الثابتة المعزولة، التي تحدث بالغالب في الليل، أي في الوقت الذي يتمتع فيه المقاتلون بحرية أكبر، حاولت طالبان تثبيت قوات التحالف داخل قواعدها، وسيطروا على العديد من نقاط التفتيش وحاميات الشرطة، هذا التكتيك جعل قواعد قوات التحالف في موقف دفاعي وأصبحت المبادرة بالهجوم في يد طالبان. وبالرغم من أن طالبان أكثر ضعفاً في قواعدها ومراكزها، فإن هذه المواقع لطالما خضعت لحراسة جيدة، وكان قادتها على علم جيد بالعمليات الوشيكة وطرق التقدم المحتملة لقوات التحالف، كما أن مقاتلي طالبان كانوا على دراية جيدة بطرق التملص من التطويق والتهرب من الهجمات الكبيرة. مفاوضات تحت الضغط اعتمدت تكتيكات طالبان في المفاوضات على استمرار العمليات المسلحة ضد أمريكا بالتوازي مع سير المفاوضات، كنوع من الضغط على المفاوض الأمريكي ولمنعه من المماطلة، وعلى الجانب الآخر تريد الإدارة الأمريكية الخروج بأقل الخسائر بعد فقدانها أكثر من 2500 جندي منذ بدء الحرب عام 2001، فضلاً عن تجاوز ميزانية الحرب أكثر من تريليون دولار، بالتالي لم تكن المفاوضات الأمريكية مع طالبان من موضع قوة ونجاح، بل جاءت عقب فشل الاستراتيجيات العسكرية الأمريكية في أفغانستان عن كسر شوكة طالبان، ومحاولة دفعها للقبول بتسوية هزيلة مع ذروة وجود القوات الأمريكية وحلفائها. هذا الأمر وعتْه مبكراً طالبان ما جعلها في وضعية مريحة، برهنت الحركة على أنها قوة قتالية مؤثرة في أفغانستان، وأن التوصل إلى سلام لا يمكن أن يتحقق دون التفاوض معها، وباتت الدول الكبرى تتسابق لخطب ودّها. هنا دخلت الولايات المتحدة في مفاوضات مباشرة مع الحركة، وحصل أول لقاء بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن “طالبان” في مدينة ميونخ الألمانية بحضور شخصيات قطرية وألمانية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2010، في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ثم توالت بعد ذلك اللقاءات، وقد تركز تكتيك طالبان خلال عملية التفاوض على استمرار إطلاق النار بالتزامن مع المفاوضات كنقطة ضغط على حساب المصالح الأمريكية، بهدف إظهار القوة والسيطرة على الأرض من أجل تحقيق الاشتراطات التي تفرضها على طاولة المفاوضات، وطبقت الحركة مقولة الجنرال جياب الفيتنامي الذي قال: “إن الكرامة الوطنية لا تسمح لنا بالتفاوض مع الدمى العميلة في الجنوب المحتل، ولن تسمح لنا بالاستسلام للغطرسة الأمريكية”، من خلال رفضها التفاوض مع الحكومة الموالية للولايات المتحدة الأمريكية. وبعد 19 عاماً من الصراع والقتال، وقعت الولايات المتحدة الأمريكية، وحركة طالبان الأفغانية، اتفاق إحلال سلام في قطر، رضخت الولايات المتحدة الأمريكية بموجبه بسحب باقي قواتها وقوات حلفائها خلال 14 شهراً، والإفراج عن السجناء السياسيين، لما يصل لخمسة آلاف سجين تابعين لحركة طالبان، وذلك بهدف بناء الثقة بين الأطراف وتعزيز التنسيق بينهم، يعد هذا الاتفاق نصراً لطالبان على الولايات المتحدة بفضل ما استخدمته من تكتيكات عسكرية وتفاوضية مترابطة ومنسجمة مع بعضها، فالخروج الأمريكي بهذه الطريقة، يعني فرض طالبان منطقها، وتوسيع قاعدة شعبيتها بين أتباعها، وأن عدم نزع سلاح طالبان الذي لم يشر له الاتفاق، سيعزز من سيطرتها على أجزاء أكبر من أفغانستان في قادم الأيام. رامي أبوزبيدة، حاصل على ماجستير في إدارة الحرب واستراتيجية الأنفاق، كاتب ومحلل عسكري لدى عدد من الصحف والمواقع والقنوات الفضائية العربية والفلسطينية أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net