اليمن .. واقع الحرب وتحدّيات كورونا

تتطلب إدارة أزمة بحجم مواجهة تفشي فيروس كورونا وجود سلطة سياسية مسؤولة، تملك قرارها السياسي، ودولة تسخّر خدماتها لحماية مواطنيها، فضلاً عن تطبيق تدابير وإجراءات للتخفيف من الأعباء الاقتصادية المترتبة على حالة العزل المنزلي والتباعد الاجتماعي. وهذا غير متوفر يمنيا.

اليمن .. واقع الحرب وتحدّيات كورونا
منذ انتشار فيروس كورونا، احتفظ اليمن، أكثر من أربعة أشهر، بوصفه بلدا خاليا من الفيروس، بحسب التقارير اليومية لمنظمة الصحة العالمية، إلا أن ذلك يتناقض مع واقع المؤسسات الصحية في اليمن، إذ تفتقر لأجهزة طبية خاصة بكشف حالات الإصابة بالفيروس، فضلاً عن الحرب التي دمرت مظاهر الحياة، بحيث كرّست بيئة الأوبئة في اليمن مرادفا للحرب نفسها التي تحصد أرواح اليمنيين، إضافة إلى تعدّد سلطات الحرب الذي ساهم في حجب المعلومات، بما في ذلك تنافسها على نفي حالات الإصابة في المناطق الخاضعة لها، بغرض استمرار تدفق المقاتلين إلى جبهات الحرب، الأمر الذي أحدث نوعاً من الغموض حيال حقيقة انتشار الفيروس في اليمن من عدمه. وبالتالي خسر اليمنيون وقتاً ثميناً لمواجهة انتشار الفيروس، حيث أُعلن أخيرا عن أول حالة إصابة مؤكدة به في مدينة حضرموت. وفي ظل المعطيات الحالية، واستمرار تجاهل سلطات الحرب وحلفائها التحدّيات التي يفرضها دخول الفيروس إلى اليمن قد يتحوّل الوضع إلى كارثة محققة في الأيام المقبلة.  تدبير احترازي لعزل اليمن عن الدول المجاورة التي انتشر فيها كورونا، أُغلقت الحدود اليمنية في نهاية الشهر الماضي (مارس/آذار)، إذ أعلنت السلطة الشرعية تعليق الرحلات الجوية من اليمن وإليه، تبعتها سلطة جماعة الحوثي التي علقت رحلات الأمم المتحدة إلى مطار صنعاء، تزامناً مع إعلانهما إغلاق منافذ اليمن البرية والبحرية، بما في ذلك إيقاف الدراسة والأنشطة  الاجتماعية والدينية في المناطق الخاضعة لسلطتهما، وذلك لمنع أي احتمال لانتشار فيروس كورونا. إلا أن الأوبئة، كالحروب، تكشف هزالة الأنظمة السياسية، فعدا عن تنافس سلطات الحرب اليمنية، بطرفيها، الشرعي والانقلابي، على اغتنام الأموال التي رصدها البنك الدولي (26.6 مليون دولار) والسعودية (5 ملايين دولار) لمواجهة كورونا في اليمن، فإن إجراءاتها لمواجهة احتمال تفشي الفيروس كانت كارثية على مختلف الأصعدة، إذ لم تكن تلك الإجراءات فعلية، بحيث تحقق حالة العزل الشاملة، وبالتالي تحمي اليمنيين من الإصابة بالفيروس، وإنما عكست قدراً هائلاً من اللامسؤولية، وكذلك الازدواجية في تطبيق القوانين، والتحايل عليها، كما خضعت إجراءات سلطات الحرب في المناطق الخاضعة لها لقدر كبير من التخبط والعشوائية، ما يعرّض حياة اليمنيين للخطر. تتطلب إدارة أزمة بحجم مواجهة تفشي فيروس كورونا وجود سلطة سياسية مسؤولة، تملك قرارها السياسي، ودولة تسخّر خدماتها لحماية مواطنيها، فضلاً عن تطبيق تدابير وإجراءات للتخفيف من الأعباء الاقتصادية المترتبة على حالة العزل المنزلي والتباعد الاجتماعي. وفي حين فشلت معظم الدول المستقرّة سياسياً واقتصادياً، والتي تمتلك منظومة صحية متطورة، في منع انتشار فيروس كورونا، فإن الواقع اليمني أكثر كارثية من أي دولة أخرى، إذ تعدد سلطات الحرب المتصارعة، بما في ذلك مليشيات الأمر الواقع في المناطق المحرّرة، وكذلك سلطة الدول المتدخلة، فضلاً عن مشكلات النظام الصحي الذي دمرته قوى الحرب المحلية والإقليمية، إضافة إلى استمرار تجاهل سلطات الحرب أزمة رواتب موظفي الدولة، بما في ذلك مستحقات الطلاب اليمنيين المبتعثين إلى الخارج، الأمر الذي يجعل من سيناريو انتشار الوباء في اليمن مروعاً بكل المقاييس. إن سلطة لا تملك قرارها السياسي هي عاجزة، إذ كشفت التدابير الاحترازية التي أعلنتها السلطة الشرعية عن حالة مزمنة من العجز الذاتي والفشل، بحيث تمظهر في إدارتها أزمة فيروس كورونا، سواء في تعاطيها مع اليمنيين العالقين في الخارج بعد إغلاق المطارات جرّاء انتشار الفيروس، أو المواطنين في المناطق الخاضعة لها. ففيما يواجه مئات اليمنيين العالقين في الخارج وضعاً إنسانياً صعباً، بسبب تقاعس السلطة الشرعية عن ترتيب أوضاعهم المعيشية، فإن سيطرة السعودية على القرار السيادي اليمني، بما في ذلك إدارتها الحدود اليمنية، جعلت اليمن عرضة لخطر فيروس كورونا. فعلى الرغم من إعلان السلطة الشرعية إغلاق الحدود رسمياً، فقد استقبل مطار عدن الدولي عدة مرّات قوات يمنية قادمة من السعودية. كما أذعنت السلطة الشرعية أخيرا للتوجيهات السعودية بإبقاء منفذ "الوديعة" مفتوحاً للنشاط التجاري، بحيث استمر النشاط البشري والتجاري في المنافذ الحدودية اليمنية، حيث تدفق مئات اليمنيين، وكذلك مئات اللاجئين الأفارقة إلى اليمن، فيما ظلت مراكز الإيواء في المنافذ الحدودية تفتقر لأجهزة فحص القادمين، في وقتٍ فشلت السلطة الشرعية في إلزام المواطنين في المناطق المحرّرة بالتباعد الاجتماعي، بما في ذلك استمرار الأنشطة الدينية والاجتماعية، بحيث ظلت تلك الإجراءات خاضعةً لتقديرات القوى المحلية التي تسيطر على المناطق المحرّرة، لا القوانين التي أعلنتها السلطة الشرعية بوصفها سلطة تقتضي إدارتها الأزمة بمسؤولية وإجبار القوى المنضوية تحت سلطتها أو المتنافسة معها بتطبيق هذه الإجراءات، وبالتالي لم يكن رصد أول حالة إصابة بفيروس كورونا في حضرموت، قادمة من منفذ بحري، بعد إجراءات إغلاق الحدود اليمنية، سوى ترجمة لفشل السلطة الشرعية ولا مسؤوليتها. وكعادتها، تبرَع المليشيات في استثمار الكوارث والأوبئة والحروب، حتى لو كان ذلك على حساب المواطنين المقهورين، ففي حين تجاهلت جماعة الحوثي استمرار الأنشطة الدينية والاجتماعية في  المناطق الخاضعة لها، فإن الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة تفشي فيروس كورونا كانت استغلالية وغير إنسانية، حيث حرصت على تحصيل أكبر قدر من الأموال من المواطنين، واستثمار تداعيات أزمة الفيروس لصالحها بكل الوسائل والأدوات، فإضافة إلى تحشيدها المجتمع المحلي للتبرّع، وفتح حساب بنكي لتحصيل الأموال من المواطنين بذريعة مواجهة فيروس كورونا، فقد فرضت على معظم مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بما في ذلك التجار ومالكو المحلات التجارية والبقالات والمطاعم، أموالاً إضافية لمواجهة الفيروس. ومن جهة أخرى، فرضت جماعة الحوثي أموالا على اليمنيين القادمين من الخارج، بما في ذلك الذين حصلوا على استمارة خلوهم من الفيروس من الجهات التابعة للسلطة الشرعية، فيما عزلتهم في أماكن عزل عشوائية، افتقرت لأبسط الوسائل الصحية. ومن جهة ثالثة، استثمرت الجماعة، بمعية التجار التابعين لها، أزمة كورونا، من خلال التلاعب بأسعار المواد الغذائية والكمّامات، بما في ذلك المشتقات النفطية والديزل، على الرغم من انخفاض سعره في الأسواق العالمية، الأمر الذي ضاعف من معاناة المواطنين. يواجه اليمنيون اليوم، وعلى اختلاف مناطقهم في بلدهم، وضعا كارثيا، بحيث تتضاءل فرص نجاتهم من فيروس كورونا في حال انتشاره، وتحوّله إلى وباء خارج عن السيطرة، إذ أن تردّي الأوضاع المعيشية وواقع المؤسسات الصحية التي تفتقر للتجهيزات الطبية وأجهزة التنفس الاصطناعي ولا مسؤولية سلطات الحرب، عوامل تجعل ذلك مستحيلاً. وإذا كانت أول حال إصابة بالفيروس أتت من منطقة تخضع للسلطة الشرعية ولو اسمياً، فإن الوضع في المناطق الخاضعة لجماعة الحوثي قد يكون أكثر فداحة، حيث يعيش أكثر من 70% من اليمنيين في هذه المناطق، ويعاني معظمهم من فقر مدقع، بما في ذلك تعمّد سلطة الجماعة إخفاء حالات الإصابة، وهو ما يجعل اليمنيين في معضلة وجودية، وهي المفاضلة بين خيار الموت جوعاً وتفادي فيروس كورونا، بما في ذلك التداعيات الاقتصادية المترتبة على انتشاره في اليمن والعالم.