الهيكل القضائي في لبنان: بازارات سياسية وتدخلات فاضحة

عناوين ثلاثة ضجّت بها الساحة اللبنانية الأسبوع الماضي، أعادت إلى الواجهة بشكل صارخ وفاضح ملف "القضاء اللبناني وهيبته الهشّة".

الهيكل القضائي في لبنان: بازارات سياسية وتدخلات فاضحة

عناوين ثلاثة ضجّت بها الساحة اللبنانية الأسبوع الماضي، أعادت إلى الواجهة بشكل صارخ وفاضح ملف القضاء اللبناني وهيبته، بدءاً من الاستدعاءات الأخيرة للناشطين المدنيين أمام المحكمة العسكرية، فتبرئة المقدّم في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج من تهمة التدخل في فبركة ملف الممثل زياد عيتاني، وصولاً إلى مداهمة النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون لمكاتب شركة "مكتّف" للصيرفة، وتمرّدها على قرار النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات "عزلها".
ولم تنتهِ تداعيات كف النائب العام التمييزي يد القاضية عون عن ملفاتٍ عدّة متصلة بجرائم مالية، وقتل، واتجار بالبشر، ومخدرات، وغيرها، وقيامها يوم الجمعة مع مرافقيها الأمنيين باقتحام شركة "مكتف" ومصادرة الملفات رغم سحب القضية منها.

وعقد مجلس القضاء الأعلى اجتماعاً استثنائياً برئاسة القاضي سهيل عبود، صباح الاثنين، لبحث الإجراءات التي ستتخذ بحق مدعي عام جبل لبنان، تزامن مع تحركين في محيط قصر العدل في بيروت، الأوّل بجزئه الأكبر من مناصري "التيار الوطني الحر" (يتزعمه النائب جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية) الذين حضروا لدعم القاضية عون، والثاني من مناصري "تيار المستقبل" (يتزعمه رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري) تأييداً للقاضي عويدات، قبل أن يتطوّر المشهد ويُسجل إشكال بين الفريقين تدخلت على أثره العناصر الأمنية لفصل المشتبكين.

تسييس كامل للقضاء
ويرى المحامي والناشط الحقوقي أيمن رعد، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن "القضاء في لبنان مُسيَّس، وكلّ المراكز الحسّاسة ضمنه، تعيَّن بموجب مرسوم صادر عن الحكومة، علماً أنّنا لو كنا في بلدٍ طبيعي نوعاً ما لا مشكلة بذلك، لكن طالما أننا نعيش في دولة تشكّل فيها الحكومات بطريقة الديمقراطية التوافقية، فعندها تصبح التعيينات بأسلوب المحاصصة السياسية، والتعيينات القضائية جزء منها".
ويلفت إلى أنّ "التدخل السياسي في عمل القضاء موجود دائماً، ويحصل بشكل مسبق واستباقي، حتى التشكيلات القضائية صدرت عن مجلس القضاء الأعلى المُسيّس بدوره، والمعيّن من الحكومة التي أسقطت في انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، من هنا فإنّ كل ملف فساد يفتح، ينظر حكماً إلى القاضي الذي يثيره وتبعيته السياسية، فينقلب إلى بازار سياسي كما هو حاصل في قضية غادة عون – غسان عويدات، المحسوبين على فريقين سياسيين، ولن ينظر إليه بالتالي من منطلق قضائي أو قانوني".

ويشدد رعد على أنّ "مشهد اليوم الذي يظهر مجموعتين حزبيتين كل واحدة منهما تدعم قاضياً محسوباً سياسياً عليها، وهو مؤشر علني صريح لانهيار الهيكل القضائي في لبنان بشكل تام، وهذا بغض النظر عن القرارات القضائية التي تتخذ، سواء بطريقة سياسية أو لا، حيث إنه بمجرد أن تدعم الأحزاب السياسية أحد القضاة بوجه الآخر، وتعمد قاضية إلى مداهمة شركة بمؤازرة مناصرين لـ"التيار الوطني الحر" والحرس القديم، نكون أمام تسييس كامل".
ويؤكد رعد أن "الحل يبقى بإقرار قانون استقلالية القضاء، وهو مطلب أساسي لانتفاضة 17 أكتوبر، ولأي برنامج إصلاحي حكومي، حيث إن القضاء يمكن أن يكون مفتاحاً لملاحقة المتظاهرين والناشطين وادعاءات النيابات الفارغة، وأن يكون وسيلة قمع بيد السلطة السياسية، ويمكن أن يكون في المقابل وسيلة محاسبة بيد الشعب اللبناني".
ويأسف المحامي والناشط الحقوقي للقول "إننا ذاهبون في موضوع المحاسبة إلى كارثة، خصوصاً أن لا قاضي نزيها سيتجرأ على فتح ملفات فساد، في حين سنرى الكثير في المرحلة المقبلة من قضاة مسيسين يفتحون ملفات متبادلة تدخل في إطار البازار السياسي، وتغلق بقرار سياسي فتضيع كذلك المحاسبة".
الأمل في ثلاثة أمكنة
ويرى أن "الأمل في أماكن ثلاثة، هي صرخة نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف، الذي سمّى المنظومة السياسية الأمنية القضائية وطلب استرداد الدولة منها، ودعوة نادي القضاة لجمعية عمومية للقضاة لاتخاذ موقف جريء، فهناك الكثير من القضاة النزيهين ولكن ليسوا في مراكز القرار، وثالثاً، الضغط على السلطة السياسية بالوقت الحالي لإقرار قانون استقلالية القضاء ضمن النهج الذي نراه في الفترة الأخيرة، المعتمد من قبل مجلس النواب الذي يتخذ قرارات إصلاحية، لتقديم أوراق اعتماد للمجتمع الدولي لإبقائهم بالسلطة، وعلينا أن نستغلها للضغط باتجاه إقرار القانون".
من جهته، يقول أمين التوجيه في المؤتمر الدائم للفدرالية المحامي نديم بستاني، لـ"العربي الجديد"، إن "كل مرجعية أو دائرة قضائية، خصوصاً الجزائية منها، تابعة للنفوذ السياسي، بالتعيينات، التشكيلات، التأديب، الترقيات، ومراكز القرار، أما القضاة النزيهين والمستقلين، فإما يتم وضعهم في مراكز غير مؤثرة، أو يصار إلى عزلهم ضمن وظائف إدارية في وزارة العدل".
ويلفت إلى أنه "على الرغم من وجود قضاة مناضلين، مكافحين، يملكون ما يتطلب من كفاءة ومقدرة وهامش من الحرية لصون كرامتهم، فإن النظام المخروق يحول دون استقلالية القضاء، ولا سيما في ظل القوانين القائمة وآلية تنظيم عمل القضاء وكيفية تشكيل السلطات في لبنان".

لا تشريع يمنع تضارب الصلاحيات
ويضيف بستاني أن "لا تشريع يمنع تضارب الصلاحيات، والصورة يمكن تلخيصها بمرجعية سياسية تتشفى من الفريق المضاد، وأخرى تدافع عن أطرافها وتحقق مصلحة سياسية معنوية، والوسيلة بيدهما هي القضاء وولاء القضاة السياسي الحزبي الطائفي، ما يحقق المصلحة السياسية المعنوية".
ويشير أمين التوجيه في المؤتمر الدائم للفدرالية إلى أنّ "القاضية عون محسوبة على العهد الذي استخدم ورقتها لحرقها فكان التوجيه الإعلامي، وتضييع الموجة أيضاً لحرف الأنظار عن ملف ترسيم الحدود البحرية، وتمنع الرئيس عون عن التوقيع"، مبيناً أنه "لا يمكن للقاضية أن تقوم بما فعلته من دون غطاء سياسي، لكنه خادع لها وسيتم التخلي عنها وكف يدها قريباً عبر إجراءات يتخذها التفتيش القضائي، والتسوية ستكون بعدم خضوعها للمحاكمة، علماً أنّ أفعالها وتصرفاتها تستوجب المحاكمة الجزائية".
توتر بمحيط قصر العدل
وساد التوتر محيط قصر العدل في بيروت بالتزامن مع اجتماع مجلس القضاء الأعلى الاستثنائي، ويعتبر مناصرو "التيار الوطني الحرّ" أنّ القاضية عون "تتعرَّض لحملةٍ ممنهجة بهدف إقصائها والتغطية على الفاسدين ومهربي الأموال والصيارفة، ومعهم المصارف اللبنانية والمتلاعبين بسعر صرف الدولار، وهي تتمسك، على حدّ قولهم، بالقضية بطريقة جريئة وشجاعة، وعرّضت حياتها الصحية إلى الخطر بعد الوعكة التي ألّمت بها في شركة "مكتف"، واستدعت حضور فريق طبي مؤلف من راهبتين للكشف عليها، في سبيل إحقاق العدل ومحاسبة مرتكبي الجرائم المالية بحق الشعب اللبناني".

ويؤكد مناصرو التيار أنّ الهجوم يأتي أولاً من "تيار المستقبل" الذي يتدخل في عمل القضاء، والحامي الأكبر لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ويحرّك القاضي عويدات في حربه على "الوطني الحر" التي تأتي استكمالاً أيضاً للصراع الحكومي بين الحريري وعون ومن خلفه باسيل، وكذلك من "القوات اللبنانية"، المعارض الشرس لـ"الوطني الحر" والطامح لإسقاط عون برأيهم، فأطلق نواب "القوات" سلسلة مواقف حادة بوجه التيار والقاضية عون، التي تواجه ميشال مكتف الذي ترشح للانتخابات البرلمانية عام 2018 على لائحة حزب "القوات اللبنانية" بزعامة سمير جعجع، وخسر فيها.
في حين يرى مناصرو "تيار المستقبل" والمعارضون لخطّ فريق رئيس الجمهورية أن "التيار الوطني الحر" ينفذ استعراضاً لتعويض خسارته المدوية شعبياً، ويلعب على وتر محاربة الفساد من خلال قاضية تنفذ أجندته السياسية، وتفتح الملفات التي تخدمه، بينما تترك في جارور مكتبها قضايا مرّ عليها الزمن ولم تثرها يوماً، ويشددون على أنّ ممارسات القاضية عون الأخيرة اعتداء على القضاء وهيبته واستقلاليته، بدعم من رئيس الجمهورية الذي يحتجز التشكيلات القضائية للإبقاء على القضاة المحسوبين عليه في مواقعهم ومراكز القرار القضائي.
بموازاة ذلك، سجلت مشاركة خجولة لناشطين مدنيين ومودعين في تحرك أمام قصر العدل اليوم، أكدوا فيها وقوفهم إلى جانب كل قاضٍ يفتح ملفات الفساد، ومن نهب ودائعهم وسمح بتهريبها إلى الخارج، واعتبروا أنّ الهجمة على القاضية عون، بغض النظر عن خلفيتها السياسية، ما هي إلا ردة فعل على خطواتها القضائية بحق حاكم البنك المركزي، وكبار المصرفيين، ورئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي وغيرهم، وتهدف إلى إعادة إغلاق الملفات وإبعاد المسؤولين عن المحاسبة.