الهشاشة البيضاء.. لماذا يشعر البيض بالغضب عند مناقشة العنصرية؟

 في 22 أبريل (نيسان) عام 1993 وقف «ستيفن لورانس» في محطة انتظار الحافلات، وهو شاب داكن البشرة يبلغ 18 عامًا من عمره، أطلق بصره في الفراغ بحثًا عن الحافلة التي ستقله هو وصديقه «دوين» إلى منزلهما، كان الظلام الحالك يشوش الرؤية، فخطا بضعة خطوات للتأكد من وصولها، وقبل أن يصلا إلى الناحية الأخرى، تدافع خمس […]

الهشاشة البيضاء.. لماذا يشعر البيض بالغضب عند مناقشة العنصرية؟

 في 22 أبريل (نيسان) عام 1993 وقف «ستيفن لورانس» في محطة انتظار الحافلات، وهو شاب داكن البشرة يبلغ 18 عامًا من عمره، أطلق بصره في الفراغ بحثًا عن الحافلة التي ستقله هو وصديقه «دوين» إلى منزلهما، كان الظلام الحالك يشوش الرؤية، فخطا بضعة خطوات للتأكد من وصولها، وقبل أن يصلا إلى الناحية الأخرى، تدافع خمس شباب بيض البشرة تجاههما، وقبل أن يحيطوا بهما فر صديقه، ليتعرض «ستيفن» للضرب والطعن، وأفلت في النهاية من بين أيديهم رغم جراحه العميقه التي تنضح دمًا وقطع «ستيفن» 100 متر، ثم انهار مفارقًا للحياة. 

كادت تلك القصة تطوى بوفاة صاحبها، لولا الرسالة التي تُركت في غرفة هاتف المحطة، وهي الرسالة التي حوت أسماء الشباب الذين ارتكبوا الجريم؛ فاعتقلت الشرطة شخصين منهما، ثم أطلقت سراحهما بعد ثلاثة أشهر.

وهو الإفراج الذي أحزن والدي «ستيفن» لكنهما لم ييأسا من السعي للقصاص، فأعيد التحقيق في القضية عام 1997، وترأس التحقيق رئيس المحكمة العليا «ويليام ماكفيرسون»، الذي اكتشف أدلة وإثباتات تدين المجرمين، لكن الشرطة تجاهلت الأدلة وتلاعبت بها، إلى أن تحققت العدالة في عام 2012، أي بعد 19 عامًا من وفاته، وحكم على المتهمين بالسجن مدى الحياة.

وقد علقت الصحافية البريطانية «ريني إدو لودج» على هذه الحادثة في كتابها الذي بعنوان: «لمَ أمتنع عن الحديث عن العنصرية مع ذوي البشرة البيضاء؟» فقالت: «الحديث مع البيض عن قضية العنصرية مهمة شاقة، فإن أبديت استيائي من عدم تفهمهم لحجم المشكلة، سيبررون تصرفاتهم العنصرية باعتبار السود عرقًا عنيفًا وسريع الغضب يهدد استقرارهم، ثم ينعتنونني بالمتنمرة»، لذا ففي هذا التقرير سنناقش لِمَ يشعر الرجل الأبيض بالغضب عندما نناقش مشكلة العنصرية؟ ولم يفضلون إنكارها؟ وكيف نتعامل معها؟ 

الهشاشة البيضاء.. آلية دفاع نفسية عن الامتيازات

عندما تأجج الشارع الأمريكي في ولاية مينيسوتا بعد حادثة مقتل «جورج فلويد» في 25 مايو (أيار) 2020، حين جثا ضابط شرطي بركبتيه فوق عنق «جورج فلويد» حتى لفظ أنفاسه، أمر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قوات الشرطة بفض التظاهرات، وعلى أثرها تعاملت الشرطة بعنف مع المتظاهرين.

وقد فتح ذلك الحادث الصندوق الأسود للعنصرية التي لم تتلاش رغم تمكين السود من مناصب قيادية، إلا أن الأمر المثير يكمن في أنه بمجرد الاستدلال بمثل هذه المواقف على جذور العنصرية الراسخة في المجتمع الأمريكي، ينتاب الرجل البيض ثورة غضب عارمة. 

Embed from Getty Images
جورج فلويد

ولهذا السبب كرست عالمة الاجتماع روبن ديانجيلو، وهي كاتبة أمريكية، عملت أستاذة التعليم متعدد الثقافات في جامعة ويستفيلد، جهودها لدراسة هذه الظاهرة، فأقامت ورشا تدريبية لتجربة تأثير مناقشة الامتيازات التي يمنحها المجتمع الأمريكي للعرق الأبيض على حساب الملونين، أمام مجموعة من ذوي البشرة البيضاء. 

وفي عام 2011 نشرت روبن ورقة بحثية في المجلة الدولية لعلم التدريس النقدي، تثبت أن ردود أفعال الطلاب البيض تفاوتت ما بين الغضب، والشعور بعدم الرضا، والخزي، وربما الجدال العبثي، أو الانسحاب من المناقشة، ولهذا السبب اشتقت روبن مصطلح «الهشاشة البيضاء» لتصف به ظاهرة غضب الرجل الأبيض عندما يتعرض إلى أي نقاش قد يصمه بالعنصرية؛ إذ يقوم بهذه السلوكيات الدفاعية ليعيد ترجيح الكفة لصالحه.

وقد عزى الطبيب النفسي أكيم مارش هذه الظاهرة لشعور الرجل الأبيض بالتهديد، كأن التطرق للحديث عن العنصرية يصمه شخصيًا بها، كما أن الرجل الأبيض يعد تفوق العرق الأبيض قاعدة ثابتة، لذا لا يستطيع التعامل مع مشكلة العنصرية بنضج وعقلانية. فما أسباب الهشاشة البيضاء؟  

Embed from Getty Images

المتعصبون البيض يسيرون مع المشاعل في شارلوتسفيل

تفسر روبن الهشاشة على أنها ليست ضعفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة دفاعية لاستعادة التوازن الطبيعي، الذي يحمي امتيازات الرجل الأبيض، ولفهم هذه الآلية الدفاعية، فإننا سننظر إلى ما بداخل مخ الرجل الأبيض.

يتألف المخ البشري من طبقتين، القشرة المخية الحديثة (العقل المفكر) المسئولة عن الإدراك، والتفكير العقلاني والحديث بلباقة، بينما يقبع تحت القشرة المخية (العقل الانفعالي) المسئولة عن الانفعالات وردود الفعل.

ومن الطبيعي أن يتواصل الجزآن ويعملان بتناغم على تنظيم تصرفات المرء وانفعالاته، فالعقل الانفعالي يُبلِّغ العقل المفكر بحالة الجسم، والتي يحولها إلى معلومات مفهومة، على أثرها يتخذ قرارته، ويبدي الانفعال الملائم للموقف.

وإذا وضعنا مخ الرجل البشري تحت المجهر في خضم النقاشات المناهضة للعنصرية، سنلاحظ أن الرجل الأبيض يختبر العديد من المشاعر من قبيل القلق والخوف والشعور بالذنب، فيضطرب العقل الانفعالي ويعجز عن تبليغ هذه المعلومات إلى العقل المفكر تبليغًا سليمًا؛ ما يجعل العقل المفكر عاجزًا عن اتخاذ القرار المناسب؛ فتتحول دفة القيادة والسيطرة إلى العقل الانفعالي. 

كما تساهم الأيديولوجيات الثقافية والسياسية التي يؤمن بها المجتمع الأمريكي في تفاقم الأمر، فقد رجحت روبن أن هذه العوامل التالية تساهم في ظاهرة «الهشاشة البيضاء»: أولًا، نشأة المجتمع الأمريكي في معزل عن قضايا السود ومشكلاتهم، بالإضافة إلى حياة البيض المرفهة التي تختلف عن أحياء السود المهمشة المفتقرة لأبسط المرافق العامة.

وثانيًا، أدت تلك العزلة إلى إقصاء البيض عن الرؤية الموضوعية للعديد من القضايا، فأصبح يرى العالم من منظوره الخاص وقواعدة الخاصة، بل يفرض تعميمها، وثالثًا، هيمنة الرجل الأبيض وتمييزه، تمنحه شعورًا بالأمان والراحة، لذا فإن أي نقاش يناهض العنصرية، يهدد امتيازاته.

ورابعًا، الغطرسة والشعور بالاستحقاق؛ إذ ينسب الرجل الأبيض تفوقه إلى جهوده وقدراته في حين أن النظام الاجتماعي يمنح هذه الميزة دائمًا للعرق الأبيض واقعيًا، فإذا تقدم رجل أبيض وآخر أسود لنفس الوظيفة، لديهما المؤهلات ذاتها والخبرات ذاتها، فإن الرجل الأبيض هو منْ يحصل عليها في النهاية، وخامسًا، التحرر النفسي؛ إذ يفضل الرجل الأبيض تجاهل مشكلة العنصرية باعتبارها قضية شخصية تخص الملونون وحدهم، وبحجة توجيه جهوده إلى قضايا أكثر أهمية.  

هل يعبر الانحياز المفرط للسود عن عنصرية خفية؟

رغم الشهرة التي حازها كتاب «روين ديانجيلو»، وإدراجه في قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا، فقد وجد فيه العرق الأسود معبرًا بقوة عنهم بعد مقتل «جورج فلويد» عام 2020، فإن بعض الأكاديميين اعتبروه «كتابًا عنصريًا». 

Embed from Getty Images

إذ نشر أستاذ اللغويات «جون ماكورتور» بجامعة كولومبيا تقريرًا في مجلة «ذا أتلانتك» الأمريكية، ينتقد فيه الكتاب انتقادًا لاذعًا، فقد وصف روبن بـ«المبشرة» ووصف الكتاب بأنه «كتاب للصلاة والعبادة، وأنه مليء بالادعاءات الخاطئة»، ويهدف إلى تكميم الرجل الأبيض وتقييده لأن كل تفكيره يتمحور حول العنصرية، فإذا أطلق على الأحياء التي يقطنها الملونون بـ«حي الملونين»، سيجري اتهامه بالعنصرية، كما أنه يصور السود باعتبارهم «أطفالًا مرهفي الحس» وهذا في حد ذاته عنصرية، حسب تعبيره. 

ومن جانبه اعترض الطبيب «جيسي ليل» الحاصل على الدكتوراه في مجال التربية على مصطلح «الهشاشة البيضاء»؛ لأنه ليس إلا مشكلة في التواصل وفقًا لنظرية «الرابطة المزودجة» التي ضعها «جريجوري باتسون»، وهي نظرية تنص على أن المرء سيعاني من مشكلة في التواصل إذا تلقى رسائل مزدوجة ومتناقضة.

ووفقًا لـ«ليل» فإنه في حالة «الهشاشة البيضاء»، يجري إجبار المرء على الانخراط في مناقشةٍ ما وإذا انسحب منها فإن ذلك دليل على عنصريته، وإذا أدلى برأيه سيكون نابعًا من كونه رجلًا أبيض، ودفعه نحو الإنصات للمناقشة دون تعليق، ووصفه بـ«الهشاشة البيضاء»، لذا فإنها جميعًا رسائل مزدوجة تحمل معنى متناقضًا، تجعل الرجل الأبيض متخبطًا، أي المناقشات المناهضة للعنصرية تصبح أكثر تعقيدًا.

 كيف يتعامل الرجل الأبيض مع «الهشاشة البيضاء»؟

 عندما يخوض رجل أبيض نقاشًا مع رجل أسود يشاركه الاستياء من العنصرية، فإن دماءه تفور، ويستولى عقله الانفعالي على دفة القيادة، ويوشك أن يصرخ في وجه محاوره قائلًا: لم تتحدث عن العنصرية وقد اندثرت منذ زمن بعيد؟ لكنه عليه التوقف وإعادة القيادة لعقله الإدراكي من جديد، وبالتالي سيكون في حاجة لمجموعة من النصائح السديدة للتعامل مع «الهشاشة البيضاء»؟

Embed from Getty Images

1_ الثقة في الصلاح والقيم؛ وذلك لأن الرجل الأبيض المصاب بـ«الهشاشة البيضاء» يشعر دائمًا بالخوف من وصمه بالعنصرية، والسوء تجاه ذاته، على الرغم من أن الناس كلهم يجمعون بين الخير والشر، و«الهشاشة البيضاء» لا تجعل من الرجل الأبيض سيئًا، فحتى الأشخاص ذوي الوايا الحسنة يرتكبون أفعالًا عنصرية، لذا تصبح الثقة في حب العدل والرحمة ضرورية.

2_ الاعتراف بحكمة الرجل الأسود واحترام تجاربه، ففي الغالب حين ينصت الرجل الأبيض إلى التاريخ المظلم للعنصرية ربما يقشعر بدنه، ويشعر بالخزي فيتخذ موقفا دفاعيا، يشير إلى براءته من تلك الأفعال الشنيعة، لكن هذا لن يفيد، بل يفيد التواضع وحده، والذي يمنع من التقليل من بشاعة التجربة، والإنصات لتلك القصص بهدوء، عبر تطوير مهارات التواصل والتعاطف. 

3_ مراقبة الانفعالات وردود الأفعال، إذ ينبغي على الرجل الأبيض حين يخوض نقاشًا مع نظيره الأسود أن ينصت إلى جسده، ويحدد مشاعره، هل يشعر بالغضب؟ وما الخوف الكامن وراء موقفه الدفاعي؟ وهل يتجاهل الأسئلة الموجهة إليه؟ وهل يشعر بالتوتر؟ وهل يرفع نبرة صوته أثناء الحديث أم ينتقد الآخرين؟ 

4_ تعلم إستراتيجيات استعادة التوازن والسلام النفسي، والتي تتطلب الاعتراف بالمشاعر والانفعالات، والاستراحة لبرهة من الوقت ومراقبة الحقائق بموضوعية، والتنفس بهدوء وممارسة التأمل، فالاعتراف بالحقيقة لن يجعل من أحد شخصًا سيئًا.

5_ الخطوة الأصعب، الاعتراف بالعنصرية، إذ إن مساهمة الرجل الأبيض في التمييز العنصري دون وعي منه حقيقة لا يمكن إنكارها، لذا فإن قبوله لأهمية لون البشرة والامتيازات التي تمنحه إياها، ستكون الباب الأول للتصالح مع «الهشاشة البيضاء»، وفي النهاية ينصح الطبيب النفسي كيث فاديليسي بالرفق بالنفس، ومعاملتها بلطف، وألا نقسو عليها كما قسى الأسلاف البيض على العرق الاسود كي لا تزداد الهشاشة البيضاء ضراوة ونقع في فخ العنصرية.

دولي

منذ سنة واحدة
عندما يصبح المعتقد لغة! حركة الإسبرانتو العالمية في مواجهة العنصرية