السعودية كادت تعيد الأسد للجامعة العربية، ولكن هناك ما منعها فجأة!

تبدو علاقات الأنظمة العربية ببشار الأسد غامضة وأشبه ما تكون بعلاقتها بإسرائيل، الغاطس فيها أكثر من الظاهر. فلماذا لا تعيد الدول العربية علاقاتها بالأسد وتعيد سوريا للجامعة العربية طالما أغلبها يقيم هذه العلاقة السرية.  تقرير لموقع responsiblestatecraft الأمريكي عرض لتطور مواقف الدول العربية تجاه الأزمة السورية، والعوامل الخفية التي تؤثر على المواقف العربية تجاه بشار […]

السعودية كادت تعيد الأسد للجامعة العربية، ولكن هناك ما منعها فجأة!
تبدو علاقات الأنظمة العربية ببشار الأسد غامضة وأشبه ما تكون بعلاقتها بإسرائيل، الغاطس فيها أكثر من الظاهر. فلماذا لا تعيد الدول العربية علاقاتها بالأسد وتعيد سوريا للجامعة العربية طالما أغلبها يقيم هذه العلاقة السرية.  تقرير لموقع responsiblestatecraft الأمريكي عرض لتطور مواقف الدول العربية تجاه الأزمة السورية، والعوامل الخفية التي تؤثر على المواقف العربية تجاه بشار الأسد. صمت على حرب أرض عربية  في الوقت الذي اندلعت فيه المواجهة بين النظام السوري المدعوم من روسيا وتركيا على الجانب الآخر في إدلب بسوريا خلال الأسابيع الأخيرة، اقتصرت ردود فعل الأنظمة العربية وهيئتهم الجامعة، جامعة الدول العربية، على إصدار بيانات عامة. هذا الانصراف عن مسألة عربية ذات أهمية بالغة وعواقب مؤثرة تُمليه عليها عوامل جيوسياسية وتبعث عليه الأهداف المتضاربة للدول العربية الرئيسية، وهو وضع يعزز التصور السائد عن الجامعة العربية بوصفها منظمة واقعة في حالة من الاضطراب. ومع ذلك، تحاول الدول العربية الرئيسية العودة في سوريا، لكن مساعيها الدبلوماسية قد ينتهي بها الأمر محدودةَ الأثر. تاريخ واعد للتدخل العربي في النزاع السوري.. محاولة حقيقية لحل الصراع حاولت جامعة الدول العربية في وقت مبكر أن يكون لها دور رئيسي في نزع فتيل الأزمة السورية سلمياً. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وافق النظام السوري على خطةٍ لجامعة الدول العربية تقضي بمنع الجيش السوري من نشر جنوده وآلياته العسكرية في مواجهة المتظاهرين السلميين.  لكن عدة انتهاكات لهذا الاتفاق دفعت الجامعة العربية لتعليق عضوية النظام السوري. كما توقفت خطة وساطة أخرى، كانت تتضمن نشر مراقبين من جامعة الدول العربية لمراقبة وقفٍ لإطلاق النار بين النظام والمعارضة، في يناير/كانون الثاني 2012. جاء هذا الفشل الدبلوماسي في وقتٍ كان هناك شبه إجماع عربي على أن الحرب الأهلية في سوريا يجب أن تبقى قضية عربية داخلية، وأن النظام السوري يجب أن يُحال بينه وبين استخدام العنف. الخلاف حول الإسلاميين يقسم الموقف العربي من سوريا تزامنت هذه المرحلة من المشاركة العربية مع فترة التحولات الخاصة بالربيع العربي، والتي شهدت الإطاحة بعددٍ من القادة المستبدين في تونس واليمن ومصر وليبيا من سدة الحكم. ومع ذلك، فإن دولاً عربية مثل السعودية وقطر كانت قد تشاركت في البداية أهدافاً مشتركة خلال تدخلها في الحرب السورية، لكنها انفصلت في عام 2013، لأنها اختلفت حول ما إذا كانت ستقبل أم تعارض صعود الإسلاميين في العالم العربي. كما أسهمت عوامل حاسمة أخرى في إضعاف الموقف العربي في سوريا، ولا سيما بروز ما يسمى بـ “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” في عام 2014، وهو ما فتح الباب أمام تدخل القوى الأجنبية في البلاد. بحلول عام 2017، ومع هدوء الجبهات الشمالية والجنوبية للحرب السورية بعد “عملية أستانة”، واتفاقية وقف إطلاق النار الأمريكية السورية، تقلص التأثير العربي في سوريا إلى حد كبير، إن لم يكن قد تبدد بالكامل. ظهور داعش أضعف التأثير العربي في سوريا/رويترزعندما بدأ النظام السوري في إعادة فرض سيطرته على المناطق المختلفة في البلاد، كان على الحكومات العربية أن تختار بين سياستين سائدتين: موقف روسي يؤيد ويحثّ على التعامل مع دمشق، وموقف أمريكي ممتنع يدعو إلى مقاطعة النظام السوري وفرض عقوبات عليه. وضمن هذين الموقفين المهيمنين على التعامل مع سوريا، كانت هناك ثلاثة دوافع تحكُم تدخلَّ الحكومات العربية. الأول هو انعدام الثقة المشترك تجاه الإسلاميين في بلادهم، وهو الدافع الذي تشاركت فيه الإمارات (حيث تنشط جمعية الإصلاح) والجزائر (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) ومصر (جماعة الإخوان المسلمين) وفلسطين (حركة حماس). ويتألف الدافع الثاني من العوامل الجيوسياسية التي تخضع لها السياسات الخارجية، وأبرزها التأثير الإيراني في لبنان والعراق. والثالث هو الهدف المتمثل في إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا وإحداث شقاق بين دمشق وطهران، وهو موقف دعت إليه بالأساس السعودية والبحرين. السعودية كانت تريد إعادة سوريا للجامعة العربية وهذا ما أوقفها  في عام 2018، تطور نهجٌ تقوده السعودية وتدعمه روسيا يدعو إلى رفع التجميد عن عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، وبدأت الدول الخليجية الرئيسية تميل شيئاً فشيئاً إلى التقارب مع دمشق. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2018، كانت هناك آمال كبيرة أيضاً في أن إعادة فتح معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا سيعيد تنشيط الاقتصاد الإقليمي ويعيد ربط سوريا بدول الخليج. وكانت روسيا تحث دول الخليج على المساعدة في عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم والإسهام في عملية إعادة إعمار سوريا. ورأى بعض قادة الخليج في ذلك فرصةً لتأمين مقعد لهم إلى أي طاولة تشهد محادثات سلام سورية محتملة. ومع ذلك، فإن ما حدث هو أن إدارة ترامب أخمدت تلك المبادرة بالضغط على الدول العربية لئلا تعيد علاقاتها مع دمشق. وفي الوقت نفسه، كانت واشنطن تراكم من عقوباتها المفروضة على النظام السوري، وترمي إلى مزيد من النفوذ في مواجهة التدخل الروسي والإيراني في سوريا. أفضى هذا الضغط الأمريكي إلى تثبيط التقارب العربي المحتمل مع النظام السوري قبل عامين، وإن لم يمنع ذلك حدوث بعض الخطوات الخجولة في هذا الاتجاه.  ففي ديسمبر/كانون الأول 2018، أعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق، وقالت البحرين إن سفارتها هناك تعمل بكامل طاقتها. ومع ذلك، أوقفت الرياض في عام 2019 أي خطوات لها في اتجاه الاعتراف بالنظام السوري، وأبرز أسباب ذلك هو أنها كانت تتعامل مع تداعيات مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.  التوجه السعودي لدعم الأكراد  ومن ناحية أخرى، زار وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، شرق سوريا في يونيو/حزيران 2019، والتقى زعماءَ القبائل وأبدى دعماً سعودياً لقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد. وكانت تلك حملة مضادة موجهة مباشرةً إلى تركيا التي تعتبر القوات الكردية السورية قوات إرهابية وشريكة لـ “حزب العمال الكردستاني” (PKK) الذي تصنّفه تركيا منظمةً إرهابية. ومع ذلك، فإن تطبيع الدول العربية علاقاته مع النظام السوري كان يجري ضمنياً، ولا يزال يتزايد تدريجياً. وهناك رحلات جوية مباشرة بين سوريا والعديد من الدول العربية. وتشمل هذه الإمارات وقطر والسعودية والأردن والعراق وعمان ومصر (على الرغم من تعليق معظمها في الوقت الحالي على إثر تفشي فيروس كورونا). وأكثر من نصف الدول العربية لديها نوع من التمثيل الدبلوماسي في دمشق أو هي على اتصال بها. الكويت والأردن ترفضان التساوق مع العداء لتركيا   ومع ذلك فإن الدول العربية منقسمة حول السياسة المفترض اتباعها تجاه سوريا وحول ما إذا كان يجب على الجامعة العربية التركيز على الأنشطة الإيرانية أو التركية هناك. فقد أبقت كل من الكويت والأردن على مسافة بينهما وبين الأزمة الخليجية التي اندلعت في صيف عام 2017، وكلا البلدين لديه علاقات عمل جيدة مع تركيا لأنها تتشارك وجهات نظر انتقادية مماثلة لسياسات إدارة ترامب فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.  أمَّا لبنان والعراق فيحاولان المناورة بين التوترات الأمريكية والإيرانية، لكنهما يتوقان إلى إعادة الترابط مع دمشق لولا احتمال أن تتخذ واشنطن إجراءات اقتصادية عقابية ضدهما. ومن ثم، على الرغم من فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2018، فإن حركة المعبر لا تزال خاملة من الناحية الفنية، إذ يعاني الأردن –مثل عديد من الدول العربية- لتحقيق توازنٍ حيال السياسة الأمريكية والروسية في سوريا.  موقف دول المغرب العربي المعقد  وفي الوقت نفسه، تشعر دول شمال إفريقيا بالقلق إزاء التدخل الخليجي والمصري والأجنبي في ليبيا، لكنها لا تريد تحدي السعودية أو التورط في الأزمة الخليجية، وبالتالي فهي تدين بخجل التدخل التركي في سوريا، ضمن الصوت الجماعي للجامعة العربية. فالسعودية وحلفاؤها هم حالياً الفصيل الأكثر نفوذاً وتحكماً في أي اتجاه تتخذه جامعة الدول العربية. المنافسة الأمريكية الروسية استأنفت الولايات المتحدة وروسيا المنافسة المتعلقة باستمالة دول الخليج لدعم مواقفهما في سوريا.  وعاد التنافس مدفوعاً في المقام الأول بالمواقف المختلفة من التوغل التركي الأخير في سوريا، والمواجهة الروسية التركية في كل من سوريا وليبيا. بدأ التقارب بشأن سوريا بين روسيا والحلفاء العرب الثلاثة (السعودية والإمارات ومصر) في أكتوبر/تشرين الأول 2019، عندما أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضوءاً أخضر لنظيره التركي رجب طيب أردوغان لبدء عملية توغل في شمال سوريا. دعت القاهرة على الفور إلى اجتماع طارئ لمجلس جامعة الدول العربية، وأدانت الجامعة خطوة أنقرة باعتبارها “غزواً لأرض دولة عربية وعدواناً على سيادتها”، ودعت مجلس الأمن الدولي إلى فرض عقوبات على تركيا. استمر هذا الاتجاه مع تطور الخلاف الروسي التركي في أعقاب المواجهة العسكرية السورية التركية. ثم عُقد اجتماع ثانٍ للجامعة العربية حول ليبيا في ديسمبر/كانون الأول 2019، ليحذّر من “تسهيل تركيا انتقال مقاتلين متطرفين أجانب من مناطق الصراع الإقليمية الأخرى إلى ليبيا”. وتحولت جامعة الدول العربية مؤخراً إلى موقفٍ عام يتمثل في إدانة النفوذ الإيراني والتركي في الشؤون العربية، دون أي ذكرٍ للدور الأمريكي أو الروسي. الرئيس الروسي فلاديسمير بوتين مع بشار الأسدكان هدفُ موسكو من انخراطها الدبلوماسي مع الخليج فيما يتعلق بسوريا إزعاجَ أنقرة التي تعتبر بعض دول الخليج خصوماً إقليميين.  وفي 12 فبراير/شباط، زار مدير الاستخبارات الخارجية الروسية، سيرغي ناريشكين، أبو ظبي للتباحث مع نظرائه الإماراتيين حول “آفاق التعاون في مكافحة الإرهاب الدولي”، وإعلان التوافق بين الجانبين على أساليب مماثلة لحل النزاعات. تقارب حفتر والأسد بدأ في موسكو وأبوظبي وقد تُرجم هذا التوافق إلى انفراج وأفضى إلى علاقات دبلوماسية مباشرة للنظام السوري مع اللواء الليبي خليفة حفتر وقواته المسماة بالجيش الوطني الليبي. وأُعيد فتح السفارة الليبية في دمشق، بعد أن ظلت مغلقة منذ عام 2012، وعادت إلى العمل في 3 مارس/آذار، لكن دون تواصل مع حكومة الوفاق الوطني الليبية في طرابلس. وأفادت وسائل الإعلام السعودية أن حفتر زار دمشق سراً، وهو ما أفضى إلى اتفاق بين الجانبين.  ويقرب هذا التطور النظامَ السوري من الدول العربية المتحالفة مع روسيا بشأن الموقف في سوريا، وذلك على الرغم من أن السعودية لا تزال مترددة حيال إعادة العلاقات علناً مع دمشق عبر تواصل مباشر.  ومع ذلك، فإن الرياض تبدي إيماءات تعكس حركةً في ذلك الاتجاه. غزل سعودي سوري في كواليس الأمم المتحدة   فقد أفادت وسائل إعلام تابعة للنظام السوري في يناير/كانون الثاني أن الممثل الدائم للنظام السوري في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، حضر مؤخراً احتفالاً خاصاً في نيويورك، أقيم لتكريم وزير الدولة السعودي فهد بن عبدالله المبارك. وهناك، أخبر دبلوماسيٌ سعودي الجعفري أن التوتر بين البلدين ليس إلا “سحابة صيفٍ ستنجلي في وقت قريب لا محالة”. هناك مؤشرات أخرى على تحرك عربي صوب تطبيع العلاقات مع النظام السوري. ففي فبراير/شباط، قال الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، في تصريحات لقناة RT Arabic الروسية إن النظام السوري يستحق العودة إلى الجامعة العربية. وفي 2 مارس/آذار، زار وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني، رمزي مشرفية، دمشق لمناقشة عودة اللاجئين السوريين في لبنان إلى ديارهم، وهي المسألة التي تعد أولوية لبنانية. كما زار وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني، طارق الحموري، دمشق في 5 مارس/آذار للمرة الأولى منذ افتتاح معبر نصيب الحدودي. وفي ظل التعثر الذي يعانيه الاقتصاد الأردني، تأمل عمان في زيادة صادراتها إلى سوريا، بعد أن شهدت تراجعاً حاداً من 255.5 مليون دولار في عام 2011 إلى نحو 13.9 مليون دولار في عام 2016. والرياض تحاول استغلال المعارضة السورية  وفي مسار موازٍ للضغط من أجل إدانة تركيا في الجامعة العربية، تحركت السعودية باتجاه مزيدٍ من السيطرة على المعارضة السورية على حساب النفوذ التركي. ودعت الرياض لعقد اجتماع لانتخاب ممثلين جدد في “الهيئة العليا للمفاوضات السورية”، واختير هادي البحرة المدعوم من السعودية (بدلاً من أحمد الجربا) لقيادة اللجنة الدستورية للمعارضة في محادثات السلام مع النظام السوري. وحضر هذا الاجتماع الذي عُقد في الرياض واجهات عن مصر وروسيا في المعارضة السورية، الأمر الذي يشي بطبيعة تحالف المعارضة الناشئ في سوريا وكذلك انزعاج روسيا المتفاقم من إحجام أنقرة عن الضغط على المعارضة السورية لتقديم تنازلات أكبر. وقد أدانت فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا اجتماعَ الرياض، مشيرة إلى افتقاره إلى أي أساس قانوني وأنه عُقد دون تشاور مع جميع أطراف المعارضة السورية. ويُتوقع أن تنطلق محادثات السلام السورية برعايةٍ روسية، بحلول نهاية مارس/آذار، ما لم تُؤجل بسبب تفشي فيروس كورونا. ترامب بين مطرقة السعودية وسندان سوريا  من المتوقع أن توازن واشنطن هذا التوافق في المصالح بين موسكو وبعض قادة الخليج المؤثرين. وقد وقع ترامب في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على قانون قيصر الذي يقضي بحماية المدنيين السوريين، ويتيح فرضَ عقوبات وقيود مالية إضافية على المؤسسات والأفراد المتعاملين مع النظام السوري.  وفي المقابل، التقى محافظ ريف دمشق، علاء إبراهيم، مسؤولي السفارة الإماراتية لمناقشة سبل “الاستثمار والتعاون”، وهو ما يُظهر كيف يمكن لبعض الدول العربية مساعدة روسيا في تعويض آثار العقوبات الأمريكية على سوريا.  وتعمل إدارة ترامب على إشراك الرياض بانتظام في المسائل المتعلقة بالقضية السورية لضمان ألا تنجرف مع الاتجاه الروسي، ومع ذلك فقد يزداد الأمر صعوبة على واشنطن وتصبح موازنة المصالح المتناقضة لأنقرة والرياض أمراً عسير التحقق. ومن جهة أخرى، فإن إدارة ترامب تريد في الوقت ذاته إبعاد كل من تركيا والسعودية عن روسيا، إلى جانب تحقيق أهدافها في سوريا، والتي قد تكون مهمة تتفاقم مشقّتها في المستقبل. هل يكون للدول العربية دور أكبر في سوريا؟ من المحتمل أن يؤدي الخلاف بين موسكو وأنقرة إلى إعادة تبديل الأوراق في سوريا، ومن ثمَّ يتيح فرصةً لبعض دول الخليج لأن يكون لها دور مرة أخرى في البلاد، وإن كان دوراً محدوداً تحت شروط مسبقة روسية. ثم إن وجود السعودية في قائمة الدول التي تؤيد النهج الروسي سيعطي الدول العربية الأخرى الغطاء اللازم لتأييد إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري من خلال تفعيل عضوية سوريا في الجامعة العربية. ومع ذلك، فإن حرب أسعار النفط الروسية السعودية وتداعيات جائحة فيروس كورونا ربما تعقّد هذه الديناميكية الناشئة في سوريا، خاصة في وقتٍ تركز فيه الولايات المتحدة على الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ومع ذلك، فإن هذه الديناميكيات لا تنفي الافتقار إلى نهج عربي متماسك حيال سوريا، وهو الغياب الذي لا يزال يشكّل العائق الرئيسي أمام دور عربي فعّال هناك. لكن، وإن ظل تركيز معظم الحكومات العربية منصباً بالأساس على تحدياتها الداخلية المحلية، فإن قرار إعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية يبدو أمراً حتمياً، ولا يعطله عن المضي قدماً إلا أن يسير القرار السعودي في هذا الاتجاه. بعيداً عن ذلك، تتقيد الأنظمة العربية بعدة عوامل تمنعها من اتباع نهج متناسق حيال سوريا. وتشمل هذه العوامل:  التنافس بين الدول العربية وبعضها، وعدم وجود إجماع عربي فيما يتعلق بالقضايا التي تمثل تحديات استراتيجية.  المنافسة الأمريكية الروسية. بعض الأنظمة العربية تتوقع من روسيا كبحَ جماح إيران وتركيا نيابةً عنها، في حين تفضل أخرى أن تُبقي روسيا على تحالفها مع واحدة فقط من هذه القوى الإقليمية. وبالنظر إلى المنافسة الأمريكية الروسية، فإن الخيارات السياسية التي تواجه الحكومات العربية تتراوح بين نوعٍ ما من تطبيع العلاقات المحدود مع دمشق وبين تفعيل عضويتها في الجامعة العربية. وعلاوة على ذلك، فإن روسيا، بغرض تعزيز نفوذها، قد تستغل التنافس بين السعودية وتركيا، وتتحايل مظهرةً الوقوف إلى جانب من الجانبين بين الحين والآخر. وهكذا، في نهاية المطاف، ينتهي الأمر بالدول العربية مرةً أخرى مع مساحة محدودة للتحكم فيما يمكن تحقيقه أو التنازل عنه في سوريا.