الدولار يخالف التوقعات ويحدث انقلاباً في سوق الصرف

خلافاً لإجماع خبراء العملات ومديري المعاملات الدولية بتراجع سعر الدولار في العام الجاري بسبب ارتفاع حجم الدين العام الأميركي، والتوسع في عمليات التحفيز المالي والنقدي، فاجأت العملة الأميركية المحللين بالارتفاع منذ بداية العام الجديد

الدولار يخالف التوقعات ويحدث انقلاباً في سوق الصرف

يكذّب سعر صرف الدولار الذي يواصل الارتفاع، التوقعات القوية وإجماع خبراء ومحللي العملات الرئيسية على انخفاضه ويحدث"انقلاباً سعرياً" في سوق الصرف العالمي. وخلافاً للتوقعات بضعف صرف الدولار وارتفاع سعر اليورو في العام الجاري التي نشرتها معظم المصارف وبيوت الخبرة العالمية، واصل الدولار ارتفاعه مقابل معظم العملات الرئيسية خلال الشهور الأولى من العام الجديد، خاصة مقابل اليورو، العملة الرئيسية وأقرب منافس له في سوق الصرف.

ومنذ بداية العام كسب الدولار نسبة 1.2% مقابل اليورو. إذ أن سعر صرف اليورو في بداية يناير/ كانون الثاني كان يعادل 1.2349 دولار، ولكنه تراجع إلى 1.2035 دولار، حتى صباح أمس الخميس، وفقاً لبيانات التحركات السعرية للعملات التي تنشرها وكالة بلومبيرغ الأميركية.
وارتفع الدولار إلى أعلى مستوياته في 7 سنوات مقابل الين الياباني، وإلى أعلى مستوياته في 5 شهور، كذلك مقابل الفرنك السويسري ويواصل تقدمه مقابل معظم العملات الحاملة للتجارة في سوق العملات العالمية. كما كسب مؤشر الدولار مقابل سلة من العملات الرئيسية نحو 1.2% منذ بداية العام.
ويرى محللون أن الطلب على الدولار سيواصل ارتفاعه مع عودة النشاط الاقتصادي في أميركا لوضعه الطبيعي وعودة إنفاق المستهلك الأميركي ليحل تدريجياً مكان إنفاق الدولة الذي ظل المحرك الرئيسي للدورة الاقتصادية منذ تفشي جائحة كورونا وما تلاها من عمليات إغلاق للعديد من الأعمال التجارية وتقييد حركة السفر والتنقل. ويقدر حجم السوق الاستهلاكي في الولايات المتحدة بنحو 14 تريليون دولار في العام.

في هذا الشأن يتوقع خبير عملات بشركة " كاكستون أف أكس" في لندن، مايكل براون ، صعود العملة الأميركية قائلاً، "أعتقد أن الدولار سيرتفع أكثر تتبعاً لزيادة العائد على سندات الخزانة الأميركية ومخاطر التضخم".
لكن ما هي الأسباب وراء هذا "الانقلاب الدولاري"؟
يرى محللون أن أهم العوامل التي دعمت ارتفاع الدولار، نمو الاقتصاد الأميركي بمعدل أسرع من توقعات الخبراء وارتفاع العائد على سندات الخزانة الأميركية وسط توقعات المستثمرين بعودة مصرف الاحتياط الفدرالي " البنك المركزي الأميركي" لسياسة رفع سعر الفائدة على الدولار في العام 2023. وفي المقابل فإن البنك المركزي الأوروبي يواجه معضلة تحريك سوق السندات الحكومية الراكد بسبب سعر الفائدة السلبي، أي أقل من صفر.
وهذه العوامل حولت أنظار المستثمرين من مخاوف الدين الأميركي المرتفع والبالغ نحو 21 تريليون دولار وانعكاساته السالبة على جاذبية الأصول الأميركية، إلى النمو الاقتصادي الأميركي السريع المتوقع في أعقاب التقدم الجاري في أميركا تجاه محاصرة جائحة كورونا، والتوسع في عمليات التطعيم ضد فيروس "كوفيد 19".
وتشير بيانات جامعة جون هوبكنز إلى حدوث تراجع ملحوظ في عدد الإصابات بالفيروس في أميركا مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي. ولا يستبعد محللون أن يتمكن الاقتصاد الأميركي خلال العام الجاري من النمو بمعدلات أسرع من الاقتصادات الكبرى في العالم. وعادة ما يدعم النمو السريع سوق الأسهم الأميركية ويرفع من جاذبية الأصول الدولارية.
ويرى خبراء بمصرف "جي بي مورغان" أن فوز الحزب الديمقراطي بمقعدي مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا كان نقطة البداية لانقلاب معادلة الدولار في سوق الصرف من الضعف إلى القوة. إذ إن هذا الفوز منح الرئيس الجديد جوزيف بايدن أغلبية تشريعية في الكونغرس مكنته من إجازة حزمة تحفيز مالية سريعة وضخمة لمساعدة الاقتصاد على النمو بلغ حجمها 1.9 تريليون دولار.
في هذا الشأن يقول مدير وحدة العملات بشركة "نيوبيرغر بيرمان" الأميركية، أوغو لانسيوني، "المستثمرون في أسواق الصرف يواجهون نوعاً من الحيرة في الوقت الراهن وخيارات التركيز على النمو الأميركي والمضاربة بشراء الدولار أو الاستمرار في التركيز على ارتفاع الدين الأميركي الذي يهدد جاذبية سعر الدولار".

وبينما يستعيد الدولار قوته يواجه اليورو، الذي كان حصان الرهان الاستثماري في العام الماضي، مجموعة من التحديات، أهمها أن البنك المركزي الأوروبي ربما لن يرفع سعر الفائدة خلال السنوات المقبلة في وقت تعيش فيه معظم اقتصاديات منطقة اليورو حالاً من الضعف الاقتصادي وبحاجة إلى التمويل الضعيف واستمرار البنك المركزي الأوروبي في برنامج شراء السندات الحكومية. كما أن الفائدة على اليورو لاتزال سلبية، أي أقل من الصفر.
وهذا العامل حينما يضاف إلى ضعف النمو الاقتصادي، يزيد من هروب المستثمرين من سوق السندات الأوروبية إلى الأسواق الناشئة. وبالتالي فإن جاذبية اليورو تقل تدريجياً بالنسبة للمستثمرين، خاصة المصارف التجارية الكبرى التي تجد عوائد مرتفعة كثيراً في الأسواق الناشئة مثل تركيا التي ترتفع فيها الفائدة على الليرة ودول النمور الآسيوية.
ويشير محللون، في هذا الشأن، إلى أن الفارق في سعر الفائدة على الدولار والعائد على الأصول بين أوروبا وأميركا يشجع كبار المستثمرين على شراء الأصول الدولارية عبر بيع اليورو واستخدامه كـ"عملة حاملة للتجارة".
ويقول خبير العملات بمصرف "جي بي مورغان"، بول ميغيسي، إن البنك نصح باستخدام اليورو في التمويل، أي بيعه لشراء الأصول الأميركية، منذ ظهور نتائج انتخابات الكونغرس بولاية جورجيا في يناير/ كانون الثاني الماضي. وتوقع مصرف "جي بي مورغان" منذ ذلك الوقت عودة الدولار للارتفاع وهبوط سعر صرف اليورو.