التعلّم الإلكتروني وحتميّة التكيّف مع أزمة كورونا

كثير من الناس لا يُحبّون التغيير، بل يقاومونه بكل ما أوتوا من قوة. ويأتي الرفض لفكرة التغيير أحياناًً من الخوف والرهبة لما قد يحمله التغيير من مخاطر محتملة تقود الإنسان إلى واقع أسوأ من واقعهم الذي تعوّدوا عليه في الماضي والحاضر. وقد يكون السبب هو غياب الدافع نحو التطور، والركون إلى الاستقرار الذي ألِفوه في […]

التعلّم الإلكتروني وحتميّة التكيّف مع أزمة كورونا
كثير من الناس لا يُحبّون التغيير، بل يقاومونه بكل ما أوتوا من قوة. ويأتي الرفض لفكرة التغيير أحياناًً من الخوف والرهبة لما قد يحمله التغيير من مخاطر محتملة تقود الإنسان إلى واقع أسوأ من واقعهم الذي تعوّدوا عليه في الماضي والحاضر. وقد يكون السبب هو غياب الدافع نحو التطور، والركون إلى الاستقرار الذي ألِفوه في حياتهم. من هنا، نجد أن فكرة التعلم الإلكترونية e-learning التي بدأت في جامعتنا منذ ما يقارب العشر سنوات، لم تَرُق لكثير من المدرّسين والطلبة على حدٍّ سواء. وكانت أعداد المُقبلين على هذا الأسلوب من التعليم والتعلّم قليلة. ولكن ما لبث التعلم الإلكتروني أن أثبت جدواه خلال فترة وجيزة، فتزايد الإقبال عليه بشكل ملحوظ. في جامعتنا (وربما في جامعات أخرى في الوطن والخارج) استثمرت الإدارة بشكل واضح في التعلّم الإلكتروني، حيث خصصت جوائز للمبدعين في هذا المجال، بعد أن أنشأت دائرة مختصة، يعمل فيها فريق محترف في التعلّم الإلكتروني، عمل هذا الفريق كخلية نحل، وبذلوا جهوداً لا يمكن وصفها بالكلمات لإنشاء نظام متكامل للتعلّم الإلكتروني، وتم دمج مئات المساقات، وتنظيم الأنشطة الأكاديمية إلكترونياً. فمثلاً، تمّ بناء الصفحات للمساقات، وتضمّنت تسليم الواجبات، وعمل المنتديات لمناقشة مفاهيم علمية يحددها الأستاذ، وتم عقد مئات الامتحانات المحوسبة بشكل متقن، فضلاً عن عرض ملخصات المواد، والمواد المساندة من مواقع إلكترونية ومحاضرات مصوّرة، وصور ورسوم توضيحية، إلى غير ذلك من أشكال التعليم. واعتبرت الجامعة أن التعليم الإلكتروني هو تعليم مساند، على اعتبار أن أسلوب التعليم وجهاً لوجه هو الأساس. ورغم التقدّم الذي أحرزته الجامعة في مجال التعلّم الإلكتروني، فإن الانتقادات استمرت، وهو أمر طبيعي، سواء من قبل بعض المدرّسين، أو من الطلبة. ولكن، وفي الوقت نفسه، استمرت الجهود، واستمر التطوير لترسيخ فكرة التعلّم الإلكتروني في نظام الجامعة، كجزء لا يتجزأ من العملية التعليمية. وغنيٌّ عن القول أن فكرة التعلّم الإلكتروني انطلقت من فكرة ضرورة مواكبة التطور التكنولوجي الذي فرض نفسه على حياة الناس بشكل عام، وعلى ضرورة تطوير العملية التعليمية بشكل خاص. وكانت رؤية الجامعة، وفلسفة مركز التعلّم الإلكتروني قائمة على ضرورة تطوير العملية التعليمية، وتزويد الطالب بكل الإمكانيات التي من شأنها أن ترفع مستوى التعليم، وأن توفّر المعلومات العلمية للطالب من جهة، وكذلك تسهيل التعامل مع مصادر المعلومات ومع المدرّس من جهة أخرى. إن فكرة التكيّف مع تطور الحياة نتيجة التسارع في التطور التكنولوجي لم تكن محلّ نقاش. فالعالم يتقدّم، وليس من المعقول أن نقف مكتوفي اليدين أمام هذا التطور. وبرأيي أن القائمين على مشروع التعلّم الإلكتروني لم يلتفتوا إلى الأصوات التي كانت تنادي بعدم جدوى هذا الأسلوب من التعليم. بل كان لديهم إصرار على أهمية هذا النوع من التعليم، وضرورة ترسيخه كجزء لا يتجزأ من العملية التعليمية. ربما لم يخطر ببال أحد أن التعلّم الإلكتروني سيصبح في عصر “كورونا” حتمية لا مناص منها. فالوضع الذي نعيشه في هذه الكارثة التي حلّت بالعالم، لا يترك لنا خياراً سوى المضيّ قُدُماً في العمل والتعليم. فالبديل هو الجلوس في البيوت، نقرأ الكتب، ونشاهد الأفلام والمسلسلات، حتى تنتهي هذه الأزمة. وهذا خيار قد يروق لبعض الناس الذين لا يشعرون بخطورة الوضع من جهة، ولا يملكون الدافع لتحدّي الكارثة من جهة أخرى. اليوم، يمكنني القول إن فكرة التعلّم الإلكتروني كانت إبداعية بامتياز، وأن رؤية القائمين عليها كانت رؤية نافذة ومتقدمة على الرؤى التي لا ترى أي قيمة لهذا النوع من التعليم. ولكن، في الوقت نفسه، يجب أن أوضّح لأولئك الذين ما زالوا يقاومون هذا النوع من التعليم، أن مسالة التغيير والتكيّف هي مسألة ليست سهلة. فربما يجد الكثيرون، للوهلة الأولى، أن هناك صعوبات وتحديات ما زالت تواجه التعلّم الإلكتروني في ظل غياب التعليم الوجاهي. وهذا أمر طبيعي جداً. ولا أعتقد أن هناك من يدّعي أن التعلّم الإلكتروني في هذه الحالة هو حلّ سحري يُقدّم البديل بشكل مثالي وكامل. إلا أن الاستسلام واليأس ليسا بديلاً. فالجهود المبذولة حالياً لتذليل كافة الصعوبات هي جهود لا يمكن وصفها. ففريق التعليم الإلكتروني (على الأقل في جامعتنا) يبذلون جهوداً هائلة لتقديم الخدمة المثالية لأعداد هائلة من المدرّسين والطلبة، رغم كل التحديات، ورغم بعض المقاومة الملحوظة لأسلوب التعلّم الإلكتروني. لقد قلت لطلبتي بشكل واضح، إننا اليوم أمام تحدٍّ كبير، وعلينا أن نُثبت أننا لم نجلس في بيوتنا دون عمل، وأننا نستخدم جميع الخيارات لاستمرار الحياة ومواصلة العملية التعليمية. وقلت أيضاً إن التعلّم الإلكتروني في ظل التطوير اليومي لاستخداماته سيصبح بديلاً ناجعاً ورائعاً في حال طالت فترة التعطيل للمدارس والجامعات. فلا يُعقل أن تتوقف الحياة رغم جائحة كورونا. والمسألة ببساطة هي أننا لم نعتد على التعلّم الإلكتروني بهذه الصورة. بمعنى أن الاعتماد الكامل على التعلّم الإلكتروني هو مسألة وقت وجهد وتطوير وتكيّف. وأن كل التحديات يمكن مواجهتها بالإرادة من جهة، وبجهود فريق التعلّم الإلكتروني وإدارة الجامعة من جهة أخرى. وما نريده اليوم من الجميع هو تقديم أفكارٍ إبداعية لإنجاح هذه التجربة، التي أراها ستنجح دون أدنى شك. نحن في فلسطين، واجهنا ظروفاً صعبة، بل ومؤلمة، في العقود القليلة الماضية، وكنا باستمرار ننجح في توفير البدائل. ففي الانتفاضة الأولى مثلاً، وفي ظل الحصار ومنع التجول، تم تنظيم صفوف للتعليم في المساجد والكنائس والجمعيات، ولم تتوقف العملية التعليمية. وفي الانتفاضة الثانية، خلال الحصار والاجتياحات، تم توظيف وسائل إبداعية لاستمرار التعليم. واليوم، يعيش العالم كله ظروفاً مشابهة لما مرّ به الشعب الفلسطيني، وعليه أن يتكيّف مع هذه الظروف. فالاستسلام ليس من طبيعة البشر الذين لا يعرفون المستحيل، بل يحوّلون المحنة إلى منحة، ويستثمرون الفرص لتجاوز المحن والتحديات. دعونا اليوم نبذل الجهود لإنجاح هذه التجربة، ونوظف العقول والطاقات لحل المشكلات التي تواجهنا. ودعنا ننظر إلى المستقبل نظرة تفاؤل، فربما بعد شهور قليلة من الآن ننظر إلى الخلف لنرى أن ما كنا نعتقد أنه مستحيل، قد تحقق فعلاً، وأننا استطعنا أن نتجاوز المحن والتحديات بالإرادة والإصرار والأمل في حياة أفضل. فريد أبو ضهير هو أستاذ في كلية الإعلام بجامعة النجاح الفلسطينية أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net