الاقتصاد الأردني لا تنقصه الأزمات

بعد ثلاثة أسابيع من فاجعة مستشفى السّلط الحكومي التي أدت إلى وفاة 7 مصابين بوباء كورونا جرّاء نفاد مخزون الأوكسجين، صُدِم الأردنيون بأنباء ترددت عن وضع وليّ العهد السابق الأمير حمزة تحت الإقامة الجبرية.

الاقتصاد الأردني لا تنقصه الأزمات

بعد ثلاثة أسابيع من فاجعة مستشفى السّلط الحكومي التي أدت إلى وفاة 7 مصابين بوباء كورونا جرّاء نفاد مخزون الأوكسجين، صُدِم الأردنيون بأنباء ترددت عن وضع وليّ العهد السابق الأمير حمزة تحت الإقامة الجبرية، التي تصدَّرت عناوين الصحف العربية والعالمية في 3 إبريل/ نيسان 2021. وبعد مرور يومين على ذلك، أصدر الديوان الملكي الأردني بياناً يتضمَّن رسالة من الأمير حمزة يعلن فيها ولاءه لأخيه الأكبر الملك عبد الله.

يمكن اعتبار ما حدث في الأردن على أنّه خطوة حكومية استباقية للحيلولة دون انفلات الأوضاع السياسية والاقتصادية على وقع الانتقادات الحادّة والمتزايدة لعدم مكافحة الفساد المستشري، ﻗطﺎر اﻷﺳﻌﺎر السريع اﻟذى ﻳﺳﺣق اﻟﻔﻘراء واﻟﻛﺎدﺣﻳن، واتِّساع خريطة البطالة التي تلتهم شريحة واسعة من الشباب تملَّكهم الإحباط واليأس، ولا سيَّما في ظلّ استمرار تداعيات جائحة كورونا.

نجا الأردن من زلزال الربيع العربي الذي هزّ المنطقة بدءاً من سنة 2011، ونجا من سلسلة احتجاجات منتظمة تصدَّت لها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من خلال حظر الاحتجاجات، تشديد قوانين الجرائم الإلكترونية، وتقييد نقابة المعلمين الأردنيين.

وليس غريباً أن تحظى احتجاجات الأردنيين ودعواتهم إلى الإصلاح باهتمام دولي واسع نظراً للأهمية الجيوستراتيجية لبلادهم المجاورة للعدو الصهيوني المتربِّص بهم. وفي انتظار الكشف عن المزيد من الأدلة على محاولة الانقلاب وزعزعة أمن البلاد والتورُّط الأجنبي، تبقى متلازمة الصعوبات الاقتصادية والفساد المتفشِّي دليلاً لا يُدحَض على الثنائية الخطيرة التي تجعل البلاد فريسة سهلة للانهيار الذي تعيشه الآن الدول المجاورة له.

لقد أُشيد بأداء الدولة الأردنية، ذات الموارد الطبيعية المحدودة، في البداية في احتواء فيروس كوفيد-19 بشكل فعّال من خلال فرض عمليات الإغلاق الصارمة التي ساعدت على تسوية منحنى الإصابات والوفيات جراء كورونا، بالرغم من تخلُّف البلاد عن مجاراة دول عربية أخرى في تقديم مساعدات اقتصادية كافية للفئات الهشة، وكذا لأولئك الذين فقدوا وظائفهم وسبل عيشهم.

ومع توقُّف النشاط السياحي في البلاد وهبوط الدخل السياحي بنسبة 76 بالمائة العام الماضي، تعثَّر الاقتصاد الأردني وارتفع معدل البطالة إلى 24.7 بالمائة في الربع الرابع من العام الماضي، مقارنة بـ 19 بالمائة فقط في الربع نفسه من سنة 2019 وفقاً لدائرة الإحصاءات العامة الأردنية.

لقد أصبح من الصعب على كثير من المواطنين تغطية نفقاتهم، وهذا ما يُشكِّل وقوداً للاحتجاجات المستعرة، ويؤدِّي إلى مشاكل وتبعات أخرى لا تُحمد عقباها، كاحتجاجات المعلمين المطالبين برفع الأجور في يوليو/ تموز 2020، حيث تمكَّن المحتجُّون من حشد الدعم الشعبي بين الأردنيين المحبطين اقتصادياً والمحرومين سياسياً.

عادة ما تقترن حالات التدهور الاقتصادي والاختناق السياسي بسياسات التعتيم الإعلامي من أجل تكميم الأفواه والتضييق على الحريات والتستُّر على ممارسات الفساد. فبمجرّد اندلاع أنباء ما تُسمى محاولة الانقلاب في 3 إبريل/ نيسان، لجأ الأردنيون إلى وسائل الإعلام الغربية لمعرفة ما يحدث في بلدهم بسبب منع الصحافيين من تغطية الاحتجاجات بواسطة أوامر منع النشر والاعتقالات، وتجريم المنشورات المتعلقة بالاحتجاجات والاعتصام على مواقع التواصل الاجتماعي، وتضييق مساحة وسائل التواصل الاجتماعي، كحظر تطبيق "كلوب هاوس – Clubhouse".

تنمّ الأحداث الأخيرة عن ولادة مستقبل غير حاسم للإصلاح، لن يجد فيه الاقتصاد الأردني المتعثِّر اللبنة الأساسية لاستعادة قواه والانتعاش، فقد تأخَّر الإصلاح السياسي والاقتصادي لفترة طويلة، ومن المستبعد أن يتجسَّد في المنظومة الأردنية الحالية التي لا تزال تتحاشى التحقيق في قضايا الفساد الكبيرة وتخشى مواجهة الضغوطات الداخلية، ولم تعد في منأى عن التهديدات الإقليمية، وفي ظلّ محدودية البدائل وشحّ المساعدات الخليجية والدولية وغياب الإصلاح الجذري والاستقرار السياسي والأمني لا يمكن وقف النزف الاقتصادي.

ويبدو أنّ الأردن لم يجد سوى قشة صندوق النقد الدولي ليتعلَّق بها، فقد أكَّدت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة للصندوق في بيان صحافي رقم 21/107 يوم 12 إبريل/ نيسان 2021 على توسيع حجم برنامج القروض المخصّص للأردن بقيمة 200 مليون دولار، ليصل بذلك حجم موارد الصندوق المتاحة للبلد إلى نحو 1.95 مليار دولار خلال الفترة 2020-2024.

لطالما اعتُبر الأردن محور الاستقرار الإقليمي، لكن سوس عدم الاستقرار ينخر فيه بعمق، مستغلاً الفساد الداخلي العصيّ على الحلّ، وقلّة الثروات القابلة للتوزيع ومحدوديتها، والنقص الحادّ في الفرص الاقتصادية الذي يتردَّد صداه بوضوح بين العديد من الأردنيين.

تُظهر نتائج استطلاع الرأي العام الأردني للدورة السادسة من الباروميتر العربي التي أُجريَت في أواخر عام 2020، أنّ 30 بالمائة من المستجوبين لا يثقون بحكومتهم.

وقد أكَّد 45.3 بالمائة من المستجوبين في الدورة الخامسة للباروميتر العربي التي أُجريَت ما بين عامي 2018 و2019 أنّ الوضع الاقتصادي العام لبلادهم سيّئ جدّاً، وأفاد 71 بالمائة من المستجوبين بأنّ الوضع الاقتصادي أهمّ تحدٍّ يواجه بلادهم.

وأشارت ثاني أكبر نسبة من المستجوبين، البالغة 16.6 بالمائة إلى أنّ الفساد المالي والإداري يأتي على رأس التحدِّيات التي تواجه الأردن، وصرَّح 58.1 بالمائة من المستجوبين بوجود الفساد في مؤسسات الدولة وأجهزتها بدرجة كبيرة، هذا واعتبر 59.6 بالمائة من المستجوبين أنّ أداء حكومتهم سيّئ جدّاً في استحداث فرص العمل، وأفاد 52 بالمائة من المستجوبين بأنّ أداء حكومتهم جدّاً سيّئ كذلك عندما يتعلَّق الأمر بتقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وأشار 60.4 بالمائة من المستجوبين إلى ضعف جهود حكومتهم نحو خفض مستويات الأسعار، كذلك أعرب 57.4 بالمائة من الأردنيين الذين شملهم الاستطلاع عن رغبتهم في الهجرة لأسباب اقتصادية، أهمها التضخم والبطالة.

خلاصة القول، إذا تمكَّن الملك عبد الله من الحيلولة دون حدوث أزمة على المدى القصير بنجاح، فإنّه قد لا يتمكَّن من تفادي المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي لن تختفي، بل ستزداد اتِّساعاً مع مرور الوقت، فالأنظمة الملكية ليست نموذجاً للشفافية أو المساءلة، وهذا علاوة على تأثير الأطراف الخارجية التي تُفضِّل التعامل مع وجوه مألوفة، حتى ولو كانت مرفوضة شعبياً. ففي الواقع، لم تكن مدة 48 ساعة من صراع العروش سوى قمة جبل الجليد لعدّة مشاكل متراكمة قد تفجِّر أزمات أخرى في المستقبل، لذلك لا بديل لتصحيح الأوضاع سوى الإصلاح.