اضطراب «القلق البيئي».. هذا ما يفعله التغير المناخي في المهتمين بالكوكب!

أصبح التغير المناخي حاليًا واقعًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا في ظل التبعات الناجمة عنه، والتي تنكشف بوضوح أكبر عامًا تلو الآخر، كما أن ما يحدثه من مشكلات بيئية وصحية مباشرة على الإنسان أصبح أمرًا لا يمكن غض الطرف عنه، لدرجة أن التغير المناخي يعد أكبر تهديد صحي يهدد البشرية، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، إذ يؤثر […]

اضطراب «القلق البيئي».. هذا ما يفعله التغير المناخي في المهتمين بالكوكب!

أصبح التغير المناخي حاليًا واقعًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا في ظل التبعات الناجمة عنه، والتي تنكشف بوضوح أكبر عامًا تلو الآخر، كما أن ما يحدثه من مشكلات بيئية وصحية مباشرة على الإنسان أصبح أمرًا لا يمكن غض الطرف عنه، لدرجة أن التغير المناخي يعد أكبر تهديد صحي يهدد البشرية، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، إذ يؤثر تغير المناخ بالفعل في الصحة بطرق لا تعد ولا تحصى.

من بين هذه التأثيرات التسبب في الوفاة والمرض نتيجة الأحداث المناخية القاسية المتكررة بشكل متزايد، مثل موجات الحر والعواصف والفيضانات، وتعطل النظم الغذائية، وزيادة الأمراض الحيوانية المنشأ والأمراض المنقولة عبر الحشرات، ومشكلات الصحة العقلية.

ربما لم يسمع بعضنا كثيرًا بآثار التغير المناخي في الصحة العقلية، لكنها موجودة بالفعل الآن، فالعديد من الأفراد المتأثرين بالظواهر الجوية الشديدة مثل الجفاف، يواجهون مجموعة من الصعوبات، إذ تشمل النتائج السلبية للأحداث المرتبطة بتغير المناخ العالمي على الصحة العقلية: الإجهاد والضيق وسلوك التأقلم، وأحيانًا الاضطرابات العقلية مثل الاكتئاب والقلق وضغط ما بعد الصدمة.

لكن يبدو أن هناك تأثيرات أخرى غير متوقعة، وتبدو أقرب للخيال منها للحقيقة، بدأت تظهر بالفعل على ناشطي المناخ من الشباب صغير السن، وهناك عدد كبير من هؤلاء الأطفال والمراهقين بدأ يشعر بالقلق بشأن تغير المناخ العالمي لدرجة أنه يتملكه الشعور بالخوف الشديد على مستقبل الكوكب. مثل هذه المشاعر المتزايدة أصبح لها اسم هو «القلق البيئي»، فما القصة؟

«القلق البيئي».. هذا ما يصنعه التغير المناخي في صحة البشر النفسية

على الرغم من أنه مصطلح جديد، فإن مصطلح القلق البيئي نحت بالفعل مساحة كبيرة له في جداول أعمال علماء النفس في جميع أنحاء العالم، وبالطبع في الحياة اليومية لبعض الناس. إذ تسببت الكوارث الطبيعية، التي أصبحت أكثر تواترًا وتطرفًا نتيجة لتغير المناخ، مثل حرائق الغابات في أستراليا وأمريكا وأوروبا، والفيضانات التي اجتاحت أوروبا ودول آسيوية، والأعاصير القوية بالمناطق الاستوائية، في معاناة الكثير من الناس وزيادة قلقهم من البيئة.

Embed from Getty Images

لا يعد القلق البيئي مرضًا، على الأقل حتى الآن، ولكن القلق المتزايد بشأن حالة الطوارئ المناخية التي نمر بها يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات نفسية. تصف جمعية علم النفس الأمريكية (APA) القلق البيئي بأنه «الخوف المزمن من الكارثة البيئية التي تأتي من ملاحظة التأثير الذي لا رجعة فيه على ما يبدو لتغير المناخ والقلق المرتبط بمستقبل الفرد ومستقبل الأجيال القادمة». تعد جمعية علم النفس الأمريكية أن المشكلات البيئية الكبيرة التي تؤثر في كوكبنا يمكن أن يكون لها عواقب نفسية متفاوتة الخطورة لدى بعض الناس.

تتضمن هذه المشكلات البيئية الرئيسية المرتبطة بتغير المناخ كلًّا من الظواهر الجوية المتطرفة، مثل زيادة التلوث وتأثيره في الصحة، وتراكم النفايات في المحيطات، وضياع التنوع البيولوجي، والإجهاد المائي ونقص المياه، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية وإزالة الغابات، وارتفاع منسوب مياه البحر، وغيرها.

حاليًا لا توجد بيانات وإحصائيات واضحة حول عدد السكان الذين يعانون من هذا المرض أو لنقل الحالة شبه المرضية هذه، لكن الخبراء يحذرون من أنه مع نمو المشكلات المتعلقة بالمناخ، سيزداد عدد الأشخاص الذين يعانون من القلق البيئي، فقد حذر أحد تقارير جمعية علم النفس الأمريكية حول التأثير النفسي لتغير المناخ بالفعل من تزايد القلق العام.

تنتشر بين الأكثر وعيًا بمشكلات البيئة.. هذه أعراض «القلق البيئي»

إذا تحدثنا عن القلق البيئي بوصفه شكلًا من أشكال الخوف البيئي، فإن القلق البيئي ليس جديدًا تمامًا، بل عُرف قديمًا، فعلى سبيل المثال في القرن التاسع عشر، كان البريطانيون في العصر الفيكتوري (فترة حكم الملكة فيكتوريا بين عامي 1837 و1901) قلقين بشأن ظواهر سلبية تسبب فيها الدخان الأسود الناجم عن حرق الفحم، مثل مشكلات النمو والجهاز التنفسي.

ونظرًا إلى أن النشاط البشري اليومي يزيد من أخطار الطقس المتطرف، بما في ذلك موجات الحر والجفاف والفيضانات، تظهر الدراسات أن الأطفال يعانون من القلق المناخي بمعدلات أعلى من البالغين، وتتضمن المشاعر التي يشعر بها هؤلاء؛ مشاعر القلق والخوف والغضب والحزن واليأس والعار.

يمكن أن تتضمن هذه الحالة المزاجية والمشاعر المتقلبة غالبًا أحاسيس إيجابية أيضًا، مثل الأمل، وتظهر مشاعر الأمل بوضوح أكبر عند المشاركة في المظاهرات والتجمعات الداعية لوقف أسباب الاحتباس الحراري، إذ يشعر الشخص بأن هناك آخرين كثيرين مهتمين مثله ويشاركونه المخاوف ذاتها.

لا يؤثر القلق البيئي في الجميع بالتساوي، فهذه الحالة شبه المرضية تميل إلى أن تكون أكثر انتشارًا بين الأشخاص الأكثر وعيًا بحماية البيئة، وتشمل الأعراض الخفيفة بعض القلق والتوتر واضطرابات النوم والعصبية وما إلى ذلك، لكن في الحالات الأكثر خطورة، يمكن أن يسبب القلق البيئي إحساسًا بالاختناق أو حتى الاكتئاب.

كما يظهر بوضوح ذلك الشعور القوي بالذنب خصوصًا بين ناشطي البيئة، تجاه وضع الكوكب، إذ يشعر هؤلاء بأنهم غير قادرين على وقف تغير المناخ. هذا الشعور يمكن أن يتفاقم بين أولئك الذين لديهم أطفال، عند التفكير في مستقبل أولادهم. يخشى المختصون من أن القلق البيئي لدى الشباب قد يخلق حالة من «الشلل البيئي»، والتي تجعل المصابين به غير قادرين على اتخاذ الإجراءات بسبب المشاعر العاطفية السلبية التي تسحقهم داخليًّا.

رهاب تلوث البيئة.. هل يتحول «القلق البيئي» لحالة مرضية؟

كما ذكرنا، يعد القلق البيئي مفهومًا جديدًا، لكنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم آخر، وهو «Solastalgia»، والذي أدرجته المجلة الطبية «لانسيت» عام 2015، بوصفه مصطلحًا يتعلق بتأثير تغير المناخ في رفاهية الإنسان. هذه الـ«Solastalgia» لا تعد أيضًا مرضًا، لكنها تحدد مجموعة الاضطرابات النفسية التي تحدث في السكان بعد التغيرات المدمرة في أراضيهم، سواء نتيجة للأنشطة البشرية أو المناخ.

Embed from Getty Images

لذلك يؤثر «Solastalgia» في الأشخاص الذين عانوا بالفعل من عواقب كارثة طبيعية وهذا ما يميزها عن القلق البيئي. وفقًا لتقرير عن توابع إعصار كاترينا عام 2005، ونشره موقع «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا (MIT)»، فإن الأشخاص الذين عانوا من كارثة طبيعية هم أكثر عرضة بنسبة 4% للإصابة بمرض عقلي، بالإضافة إلى المعاناة من إجهاد ما بعد الصدمة أو الاكتئاب.

ماذا يعني هذا؟ هذا يعني مبدئيًّا أن اضطرابات القلق البيئي يمكن أن تسبب مشكلات مرضية حقيقية بالفعل. والأخطر، هو إمكانية أن تتحول هي نفسها إلى حالة مرضية أو «فوبيا». نحن الآن في بدايات التغير المناخي ولم تظهر لنا كل آثاره المدمرة بعد.

مثلًا، هناك تحذيرات من غرق العديد من المدن الساحلية بحلول عام 2100، لكننا لم نشهد أيًّا من هذه الأزمات بعد. لكن ماذا لو بدأت مدن بأكملها تغرق، هل سيصبح «القلق البيئي» مجرد قلق لا غير؟ بالتأكيد لا. سيتطور الأمر إلى أعراض أخطر قد يظهر معها نوع من الفوبيا أو الأمراض العقلية أو النفسية الجديدة.

رهاب التغير المناخي بين الآباء والأبناء

يقول علماء النفس إن الأطفال أكثر وعيًا بكثير مما يعتقده آباؤهم، في كثير من الأحيان، إذ تشير الاستطلاعات العالمية حول القلق المناخي والتي أجريت على 10 آلاف من المراهقين والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عامًا في 10 دول، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة والبرازيل والهند والفلبين، مدى انتشار هذه الظاهرة.

قال ما يقرب من 60% من الشباب الذين أجابوا على الاستطلاع إنهم شعروا بقلق «شديد» أو «بالغ» بشأن تغير المناخ، بينما قال 75% إن «المستقبل مخيف»، و56% يعتقدون أن «الإنسانية محكوم عليها بالفناء» و39% كانوا مترددين في إنجاب الأطفال، كما شعر 58% من المستطلعين بأن الحكومات تخونهم أو تخون أجيال المستقبل.

ومع ذلك، فإن تقديم إجابات صادقة للأطفال عن أسئلتهم حول كارثة المناخ ليس بالأمر السهل دائمًا، فالآباء يريدون غريزيًّا حماية أطفالهم من الأشياء المؤلمة والمخيفة والصادمة. لكن المشكلة هنا أن القلق من التغير المناخي ليس مثل قلق الأطفال من الأشباح والمومياوات الخيالية، فالتغير المناخي أمر حقيقي واقعي.

لذلك عندما يسأل طفل يبلغ من العمر 10 سنوات: هل صحيح أنه بعد 100 عام ستحترق الأرض؟ هذا السؤال ليس مجرد خيال بل سؤالًا قائمًا على أرض الواقع. قبل الإجابة عن هذا السؤال، عليك معرفة ما يعرفه طفلك عن التغير المناخي بالفعل، بما في ذلك ما إذا كانوا يقرؤون أخبارًا مروعة عبر الإنترنت.

البيئة

منذ 3 شهور
بعيدًا عن الدول.. 6 أشياء يمكن أن يقوم بها الفرد لمقاومة التغير المناخي

بعد ذلك، أخبر طفلك أن هذا سؤال رائع بالفعل وأن عليه أن يشعر بالفخر لأنه يشعر بالاهتمام والقلق على مستقبل الكوكب، ثم أخبره بالحقيقة، مهما كان عمره. لكن يجب أيضًا تعزيز إحساسهم بالقدرة على التصرف، فالأطفال لديهم القوة، ويجب زرع القدرة على التغيير وإحراز تقدم وتغيير في العالم فيهم.