نُذر العاصفة تتزايد... وواشنطن تتهيأ لأيام صعبة

على السطح تبدو الأمور هادئة الآن في واشنطن. تحته المسألة مختلفة. الإشارات والتلميحات والخطوات الرمزية التي تسارعت في الساعات والأيام الأخيرة، تعزز ما صار شبه قناعة بأن الوضع مُقبل على خضّة كبيرة، وأن نُذر العاصفة تتزايد بصورة تثير مخاوف مشروعة.

نُذر العاصفة تتزايد... وواشنطن تتهيأ لأيام صعبة

على السطح تبدو الأمور هادئة الآن في واشنطن. تحته المسألة مختلفة. الإشارات والتلميحات والخطوات الرمزية التي تسارعت في الساعات والأيام الأخيرة، تعزز ما صار شبه قناعة بأن الوضع مُقبل على خضّة كبيرة، وأن نُذر العاصفة تتزايد بصورة تثير مخاوف مشروعة، خاصة وأن الخطاب الرسمي غير مطمئن كفاية من الناحية الأمنية، حتى اللحظة، كما يبدو على شيء من الارتباك. 

فمثلاً، لم يحسم الأمر بعد حول مكان أداء جو بايدن لقسم اليمين يوم 20 يناير/كانون الثاني. تقليدياً يجري الاحتفال بهذه المناسبة على المدرج الغربي الخارجي لمبنى الكونغرس. لكن تحذيرات كثيرة تنهى عن اتّباع التقليد هذه المرة بحكم الظروف المعروفة التي لا تسمح بالمجازفة، وتدعو بالتالي إلى إجرائه في الداخل تحت قبة المبنى. 

يشدد أصحاب التحذير، ومنهم عسكريون مثل الجنرال المتقاعد باري ماكفري، على أن تأمين السلامة يحتل الأولوية المطلقة الآن، "ولا يعتبر علامة ضعف". لكن آخرين يرونه من زاوية أنه قد يبدو بمثابة هروب من أنصار دونالد ترامب، مع أن هناك سوابق من هذا النوع. سنة 1985 جرى حفل اليمين للرئيس رونالد ريغان داخل الكونغرس، وفي 1945 أدّى الرئيس فرانكلين روزفلت القَسَم في البيت الأبيض.

الجدل حول هذا الموضوع، كما حول التدابير الأمنية المطلوبة عموماً، فرضته معلومات وإشارات ومواقف متلاحقة تقاطعت وصبّت كلها في ترجيح كفة الأسوأ، أهمها كان صدور تحذير من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، بأن أنصار الرئيس ترامب يعتزمون النزول "المسلح" إلى ساحات كونغرس الخمسين ولاية في يوم التنصيب، وربما ابتداءً من الـ16 الجاري. 

تطور غير مسبوق بحجمه وخطورته، حتى لو اقتصر ذلك على استعراض رمزي، يأخذه المعنيون على محمل الجدّ، وبما يفسّر الاستعدادات لتحويل واشنطن يوم التدشين إلى قلعة أمنية. كما يفسره طلب عمدة العاصمة من السلطات الفيدرالية فرض حالة طوارئ على المدينة وإلى غاية الـ24 من الجاري، واكب تنبيهات مخيفة من نوع "عدم استبعاد حصول شيء من انكسار النظام المدني في الأيام القادمة"، على حد تعبير كريس كرابس، المسؤول السابق لقسم الأمن السيبراني في وزارة الأمن الداخلي، المشهود له بقدراته الأمنية. 

وتندرج في هذا السياق، وبدرجة لافتة، استقالة القائم بأعمال هذه الوزارة قبل أيام من تدشين رئاسة جو بايدن. خطوة طرح المراقبون علامة استفهام حول دواعيها الفعلية، إذ من المستغرب أن يقدم عليها مسؤول من هذا الوزن في مثل هذه اللحظة المفترض أن يشرف فيها على التدابير المتعلقة بالحدث الرئاسي.

بيد أن الأهم الذي استوقف المتابعين كان إعلان وزير الخارجية مايك بومبيو، اليوم، "إلغاء" سفره إلى بروكسل وسائر زياراته فجأة. التوقيت حمل على ربط شطب الزيارة بالوضع "وكأن ذلك يشي بتوقّع تطورات قريبة تستدعي وجوده في واشنطن". فكل شيء يتحرك في واشنطن الآن يُفترض أنه متصل بشكل أو بآخر بالأزمة المفتوحة، لاسيما وأن كل هذه العلامات غير الاعتيادية لا تبدمصادفات بتوقيتها.

غداً تصوت الأكثرية الديمقراطية في مجلس النواب، ومعها بعض الجمهوريين، على قرار إدانة الرئيس ترامب، والذي يشكل الشق الأول من عملية العزل؛ المستبعد أن يوافق عليها مجلس الشيوخ. 

الخطوة أثارت بعض الاعتراضات حتى في صفوف الديمقراطيين، مثل السناتور جو مانشن، من باب أنها تكهرب الوضع أكثر مما هو مكهرب أصلاً، وتربك بايدن في بداية رئاسته. لكن الغالبية من بينهم رفعت شعار ضرورة إعطاء الأولوية لمحاسبة الرئيس بقطع النظر عن التداعيات. 

ويبدو أن الغلبة كانت لدعاة المحاسبة، ويأتي ذلك وسط ما سماها أحدهم "أزمة حضارية" وضعت أميركا المشروخة "على مفترق طرق" مزروع بالألغام والأخطار، في ظل مواجهة قطع فيها الطرفان في الوقت الحالي نقطة اللاعودة.