ترمومتر الاقتصاد من دون رتوش

قلما يقع المستثمرون ورجال الأعمال في فخ الفتوحات القولية، حينما يتطلعون إلى توظيف أموالهم أو توطين المشروعات، فالحكي عن المناخ الجاذب والتسهيلات والإعفاءات، قد يطربهم لأجل، بيد أنه خارج معاييرهم قبل المجازفة.

ترمومتر الاقتصاد من دون رتوش

قلما يقع المستثمرون ورجال الأعمال في فخ الفتوحات القولية، حينما يتطلعون إلى توظيف أموالهم أو توطين المشروعات، فالحكي عن المناخ الجاذب والتسهيلات والإعفاءات، قد يطربهم لأجل، بيد أنه خارج معاييرهم قبل المجازفة.
بمعنى، يأخذ المستثمرون معايير محددة لانتقاء موطن جديد لأموالهم، وليس ذلك من جبن رأس المال بشيء، بل هو حيطة وأبسط الحقوق، قبل رمي البيض بسلة مهترئة أو بدولة ساخنة، أو مرشحة للنزاع والسخونة، وبالتالي للخسائر.
من هذه المعايير، إن لم نقل أولها، البورصة، لأنها المرآة الواقعية لاقتصاد أي بلد، سواء على صعيد الحرية أو اتساع السوق ونشاطه، أو حتى عن السيولة والقدرة الشرائية، وهي أغلب الظن محددات المستثمر حينما يجري دراسة جدوى قبل توطين المشروع أو استثمار رأس المال.
وأما لماذا البورصة؟ فببساطة لأنها المؤشر الحساس، أو الأكثر حساسية إلى جانب النقد، للأزمات الاقتصادية. وليس من المبالغة بمكان إن قلنا إن أداء السوق المالية هو بمثابة الإنذار المبكر لأي أزمة محتملة، حتى قبل حدوثها، فقررنا استشعار البورصة، تحسساً للانفراج أو الأزمات، بحكم التجربة والخبرة لدى مستثمرين يجيدون قراءة الواقع واستشفاف ملامح المستقبل، إن لم نقل إنهم يوجهون الاقتصاد وقرارات الساسة أيضاً.
قصارى القول: بواقع ادعاء نظام بشار الأسد في دمشق عن انفراج اقتصادي وبدء إصدار قوانين للاستثمار والعقارات والسياحة والتحضير لورشة إعادة الإعمار، قالت بورصة دمشق كلمتها عبر قيمة تداول "أمس" التي لم تزد على 27.2 مليون ليرة "نحو 7.3 ملايين دولار" بعد توقف أي صفقة ضخمة "أسهم مقيّدة" واقتصار التداول على صفقات عادية، تركزت بالمصارف و لم تزد على 37 صفقة، لينخفض مؤشر"Dwx" المثقل بالقيمة السوقية بقيمة تبلغ 13.59  نقطة ونسبة قدرها 0.13%، بينما انخفض مؤشر "Dlx" المثقل بقيمة الأسهم الحرة، بقيمة قدرها 12.10 نقطة ليحقق نسبة تراجع قدرها 0.70%.

ولتتابع البورصة مقولتها، أن الاقتصاد السوري يعاني من خلل بنيوي، لا يمكن إصلاحه عبر التصريحات أو القمع والملاحقة، فالقضية باختصار، حسب أقوال البورصة التي تترجمها تداولات، أزمة ثقة، وبدهي أنه لا يمكن اقتصاداً أن ينمو دون ثقة رأس المال بالاستثمار وثقة المواطن بالإنفاق، كذلك لا يمكن شعباً يلهث وراء الرغيف وليتر المازوت، ولا يطاولهما، أن يستثمر بالبورصة، ولا يمكن الصناديق الاستثمارية والمضاربين الدوليين أن يجازفوا باقتصاد مرشح بأي لحظة للانهيار.
نهاية القول سؤالان:
الأول، ما تاريخ بورصة دمشق، تلك المدينة التي عرفت القطاع الخاص منذ خمسينيات القرن الماضي، وكانت قبلة لتجارب الشركات المساهمة والمشتركة، قبل وصول حزب البعث إلى الحكم، وقبل صفعة تأميم "الجمهورية المتحدة" مع عبد الناصر بمصر؟
الجواب: نال بورصة دمشق ما لحق بغيرها، من شركات مساهمة ومصارف، فأكل التأميم و"التحول للاشتراكية" وقتذاك، تجربة التعددية بسورية، ووضعها، لأسباب تاريخية وأيديولوجية، على سكة الفساد والسرقة.
ولم تعد البورصة إلى سورية، إلا عام 2009، بعد السماح للمصارف الخاصة وشركات التأمين بالتأسيس، بيد أنها عادت على مبدأ "شرف الوثبة" أي بشكل أقرب لشعارات حزب البعث، إذ لم تزد الشركات المدرجة على 52 شركة، 24 منها فقط شركات مساهمة، ولا يزيد مجموع رأسمال الشركات المدرجة على 800 مليون دولار.
وأما السؤال الثاني الذي يتوثب على شفاه كثيرين، بواقع ملامح انهيار الاقتصاد السوري وزيادة نسبة الفقر والبطالة وإحجام المستثمرين، فهو: لماذا لا تُغلَق بورصة دمشق، وخاصة بعد تقدم رابطة شركات الوساطة بهذا المقترح؟
لعل الإجابة، بأغلب الظن، أن إغلاق بورصة دمشق قرار سياسي، وغير مسموح به لئلا تنتقل صورة خروج نظام الأسد من السوق والتحكم به، وكي لا تتوثق حقيقة انهيار الاقتصاد وتتوقف عملية المتاجرة بإعادة تدوير الأسد وكعكة إعادة الإعمار... ألم نقل إن البورصة ترمومتر الاقتصاد؟