أي فرصة أخيرة؟

منذ تدويل الملف الليبي، لم تعد الأزمة وحلها ليبيين، على الرغم من الدعوات والشعارات العريضة لضرورة أن يكون الحوار ليبياً-ليبياً من دون تدخّل خارجي.

أي فرصة أخيرة؟

منذ تدويل الملف الليبي، لم تعد الأزمة وحلها ليبيين، على الرغم من الدعوات والشعارات العريضة لضرورة أن يكون الحوار ليبياً-ليبياً من دون تدخّل خارجي. ومع التواجد الفعلي لتركيا وروسيا والإمارات وفرنسا، والقائمة تطول، فإن وكلاءهم على الأرض باتوا أيضاً ممثليهم على طاولة التفاوض.

ويبدو أن تهديدات رئيسة البعثة الأممية في ليبيا، ستيفاني وليامز، لمن وصفتهم بـ"الديناصورات"، تعبيراً عن طول أعمارهم في المشهد السياسي، لم تكن إلا تهديدات لضبط طريقة توزيع مواقعهم الجديدة. فبعد مسار طويل من الخلافات حول مناصب السلطة الجديدة المنتظرة، جاء السفير الأميركي ريتشارد نورلاند ليضمّن في تصريحاته تهديداً آخر غير مباشر، قبل ساعات من بدء الاجتماع المباشر لأعضاء اللجنة الاستشارية المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي، قائلاً إن "لديها فرصة لتشكيل حكومة موحدة"، كما لديها التفويض لاستعادة سيادة ليبيا، لكنه استدرك بالقول "غير أننا نخشى أنّ فرصتهم للقيام بذلك لن تدوم إلى الأبد".

اللجنة التي شكّلتها وليامز من بعض أعضاء ملتقى الحوار لمناقشة خلافاتهم بشأن اختيار أعضاء السلطة الجديدة، بدأت أمس الأربعاء اجتماعاً مباشراً يستمر أربعة أيام، ويبدو أنه سيكون الوحيد، فعند الإعلان عن تشكيل اللجنة قبل أسبوعين، شددت وليامز على أنها "ستكون محددة زمنياً بشكل صارم"، وأن "مهمتها الرئيسية ستكون مناقشة القضايا العالقة ذات الصلة باختيار السلطة".

في الأثناء، شارف قادة الأمر الواقع على الانتهاء من زياراتهم السرية والمعلنة، إلى القاهرة وأنقرة وباريس وروما، وربما غيرها، ليُطرح تساؤل عن الصلة بين نتائج تلك الزيارات غير المعلنة و"الفرصة الأخيرة" التي تحدث عنها السفير الأميركي، والزمن الصارم لعمل اللجنة الذي شددت عليه وليامز؟

يبدو أن كلام السفير الأميركي كان خطاباً دبلوماسياً ورسالة غير مباشرة للمطالبين بحل عبر تغيير الطبقة السياسية الحالية، فها هي فرصتهم الأخيرة التي لن تدوم، والبديل الذي لم يحدده إذا ما انتهت هذه الفرصة هم أعضاء حزب الأمر الواقع، سواء في طرابلس أو في شرق ليبيا، لكن وفق رؤية جديدة يجتمع فيها هؤلاء في سلطة جديدة وموحدة.

تبدو ترجمة كل تلك التطورات واضحة في معالم الحراك الحاصل داخلياً، فوزير الداخلية فتحي باشاغا يستعد لإطلاق عملية أمنية في الغرب، وإذا ما نظرنا إلى اهدافها المعلنة سندرك جيداً أن زمنها لن يقل عن العام. يقابل ذلك اجتماع لافت استضافته مدينة البريقة وسط البلاد، حضره وزيرا مالية الحكومتين المتصارعتين، لمناقشة ترتيبات ميزانية البلاد للعام الحالي، على الرغم من أن وثيقة الحوار السياسي وضعت بند الميزانية وتسييرها ضمن صلاحيات السلطة الجديدة. وليس خافياً دلالة عقد اللقاء في مدينة البريقة النفطية، أهم الموانئ التي تصدّر النفط إلى الخارج، وترؤسه من وزير الخارجية محمد سيالة المعني بسياسات البلاد خارجياً وليس من مهامه إدارة الشؤون المالية. بالتوازي، فإن رئيس حكومة الوفاق فائز السراج، أعلن مرات عدة، آخرها من روما، وضع كل الخطط لتمويل ودعم الانتخابات الوطنية نهاية العام الحالي، بل والإشراف عليها، في رسالة ضمنية تؤكد بقاءه على رأس السلطة.